خطوط معيشية

لعل من بين أسوأ مفرزات الحرب على سورية هو تراجع الأوضاع المعيشية لشرائحعديدة من السكان، ووصولها إلى مستويات من الفقر غير مسبوقة بتاريخ هذا البلد المعطاء.. عوامل عدة يتحدث عنها الاقتصاديون بين الحين والآخر وجميعها تشير إلى الأزمة والحرب والحصار الاقتصادي وفقدان مصادر العمل وتراجع في الصناعة والزراعة وإلخ من الأسباب التي لا يمكن تجاهلها ولكنها ليست المتهم الوحيد فيما وصلت اليه الحالة المعيشية من تراجع ونقص في الدخل والإنفاق.
جهات مختلفة حتى على مستويات دولية تتحفنا بأرقام وتقارير يستخدمون فيها الأجواءالاقتصادية والسياسية معا وفي أغلبها يشير إلى مستويات للفقر تصل إلى حدود 84% من السكان مع فروق بسيطة، وفي التقارير الوطنية تأتي مؤشرات المكتب المركزي للإحصاء لتبين وجود 31% من الأسر السورية تعاني نقص الغذاء و20% تراجعت إلى حدود الفقر، وبالوقت نفسه تشير منظمة الصحة العالمية في أحد تقاريرها إلى 64% من السكان فقدوا مصادر الدخل الرئيسية، وحتى على مستوى العاملين والموظفين فقد كان ما يتقاضاه الموظف يعادل أربعة أضعاف ما يتقاضاه الآن من حيث القدرة الشرائية.
في ظل هذا الازدحام التسويقي للتقارير التي تتحدث عن خطوط الفقر بأنواعها وعن مشكلات معيشية بات يعاني منها المواطن السوري كل يوم .. فهناك خط للفقر تقبع خلفه آلاف العائلات وهناك حد للأمن الغذائي لا تصل إليه حوالي 35% من الأسر السورية وهناك حدود لمصادر الدخل يصعب القفز فوقها في ظل غياب مقومات العمل وضعف الأجور، وهناك عقوبات اقتصادية تشمل الجميع.. والكثير من المقاييس التي تتحدث عن مدى تحمل وصبر الإنسان السوري والتي لا تحتاج إلى مزيد من الشرح والنشر، ومع ذلك هناك من يقفز فوق كل هذه الخطوط والمعطيات بمقاييس غريبة يصعب تصديقها .. وبخاصة عندما يبرز أحد المعنيين ليقول لك على منصة إعلامية: لا يوجد مشكلة بالرواتب فهي تكفي وتزيد.. فيظهر الأمر كنوع من التملق والاختباء وراء الإصبع.. ثم يأتي بعض الإعلاميين ليفسروا هذا الواقع المعيشي ضمن مقاييس ضيقة أكثر من اللازم.. ولا تنطبق إلا على شريحة صغيرة من المجتمع، فمن وجهة نظهرهم هناك ازدحام في المطاعم وحركة نشطة في الأسواق .. وبالتالي هم لا يرون مشكلة في ضعف الرواتب أو غلاء في الأسعار وإنما المشكلة في سلوكيات الناس وعدم قدرتهم على تحديد أولوياتهم الشرائية...
وبين كل هذا وذاك فإن الحالة المعيشية لغالبية الناس ليست بخير،ومقاييس الحرمان والنقص بالمستلزمات الضرورية موجودة تتحدث عن نفسها، ولعله من الأجدى أن تعمل الجهات المعنية على تغيير هذا الواقع بغض النظر عن المستويات المختلفة التي تشير إليها الأرقام، أو التقارير ووجهات النظر التي يطلقها بعض المتسلقين، وأن نخرج من خانة العجز نحو خطط وبرامج استثمارية حقيقية وواقعية، صغيرة كانت أم كبيرة، تساعدنا على تجاوز كل الخطوط الضاغطة على معيشتنا.

ميساء الجردي