في الذكرى التاسعة لـ«ثورة الناتو» في سورية: رسالة إلى «سفاح نيوزلندا».. كن قوياً...

عندما داسَت قدماي للمرةِ الأولى أطراف مدينةِ «تور» وسط فرنسا حيثُ المنطقة التي شهِدت معركةَ «بلاط القتلى» بين جيش الفرنجة والجيش الأموي، أغمضتُ عينيَّ وحاولتُ جاهداً أن أعيشَ تلك الحالةَ الرومانسية التي تؤدي بي إلى سماعِ تأوّهاتِ الجرحى أو تضاربِ السيوف، حاولتُ أن أعيشَ جو المعركة لكني فشلت ليس فقط لأن الرومانسيةَ آخر أولوياتي بل لأن الواقعيةَ على رأسها، تلك الواقعية جعلتني أصطدمُ بسؤالٍ لم يفارقني تحديداً وأنا بعيد عن دمشق آلاف الكيلومترات: ما الذي جاءَ بِهم إلى هنا؟

 

لعل الجواب كان متشعباً، ومع كلِّ محاولاتِ التجميل التي خضعَ لها بدا وكأنه صورةً طبق الأصل عن السبب الذي دفع الولايات المتحدة للمجيء إلى منطقتنا واحتلالها، هناكَ من ادعى ما ادعاه وهناك من لا يزال يدَّعي ما يدعيه، ألم تقل الولايات المتحدة أنها جاءت لـ«فتح» باب الحرية للشعب العراقي؟ ألا تبرِّر احتلالها لأراضٍ سورية بأنها تريد القضاء على «الشر»؟
كلٌّ لهُ مسوغاتهِ لكن المشكلة لا تكمن بمن يسوِّغ من مبدأ أن تكذبَ أكثر، المشكلة بمن يصرّ أن يكرّرَ المسوغات كالببغاء، ولا يكتفي بذلك لكنه يرجم كلّ من يتهكّم وينتقِد تلك المسوغات، ماذا لو قلنا إن عبارة «الطريق إلى الجنة يمر بالأندلس»، كانت إحدى شعارات مشروعَ الإسلام السياسي يومها؟ ألم يحمل ثوار الإسلام السياسي في عالمنا العربي اليوم رايةَ الدفاع عن الولايات المتحدة و«إسرائيل» وفي الوقت ذاته كانوا يُقنعون مريديهم بأن الطريق نحو القدس يمر عبرَ «إسقاط النظام السوري»؟
من سخريات الواقع أننا ما زلنا ورغم كل ما يحدث أمامنا من جنونٍ متمسكين بعبارةِ: إن «الشربَ من ماء النهر مرتين مستحيل»، القضية ليست بتكرارِ التاريخ وليس التعلم من التاريخ لأننا نكاد نفقد الأملَ بأن المجتمع الإنساني سيتعلم، القضية بمن يكتب التاريخ، فالماء يبقى لهُ التركيب ذاته ونهر الإجرام الذي يتدفق منذ أن نصَّب قابيل نفسهُ قاضياً ليقتلَ أخاه هابيل لن يتوقف، فمن كان يتوقع مثلاً أن الحرب على سورية ستدخل عامَها التاسع؟
لم يكد المواطن السوري ينهي استعادةَ شريطَ الذاكرةِ واللّحظاتِ الأولى لتحولِ أحلامه وأمنهِ وأمانهِ في بلدهِ إلى سرابٍ على يدِ طلاب حرية القتل والذبح والسحل، حتى انتشرت الأخبار عن المجزرة التي قام بها الإرهابي الأسترالي برينتون تاران بحقِّ العشرات من المصلين وسط مدينة كرايست تشيرتش النيوزيلاندية، لتبدو لنا القضية أشبهَ باحتفالٍ أقامه يميني متطرف على شرف ذكرى ثورة التطرف الديني، ليرتشفوا دماء الأبرياء كنبيذٍ للنصر.
في الواقع لم تكن العبارات التي كتبَها الإرهابي على سلاحهِ عبثيةً، لكن ما يلفت النظر تحديداً هو استدلالهِ بـ«معركة تور» فهذا الأمر ينم عن قراءةٍ تاريخيةٍ ليست عفوية، تحديداً أن هذه المعركة معروفة بالغرب بمعركة «بواتييه» التي قال عنها المؤرخون الأوروبيون: «لو انهزمَ فيها الفرنجة للبست أوروبا النقاب».
ليس مهماً هنا ماذا سيرتدي هذا أو ذاك؟ المهم أننا جميعاً كبشرٍ بتنا كمن يرتدي نِقابَ القفزِ عن الحقائق كدروعٍ لندافع عن أوزارٍ لا علاقة لنا بها، نحمِل مثلاً بانتمائنا لهذا الشرقِ البائس أوزارَ إجرامَ السلطنةِ العثمانية المستمر حتى يومنا هذا، لكن كيف لنا أن نُقنع من يتهموننا بأننا كنا ضحايا مِثلهم، تحديداً عندما نعود للواقع الذي درسنا فيه لعشراتِ السنين مصطلح «الفتح العثماني»، عندها نتساءل: هل نحن ضحايا فعلياً أم شركاءَ بالجريمة؟
لكن الأسوأَ هو ذاكَ النقاب الذي يرتديهِ من يريد الاستثمار بكلِّ حدثٍ ويراهُ فرصةً عظيمة للتجارة أو لبثِّ سمومه وتصفية الحسابات مع «الدين الإسلامي» وليس مع المتأسلمين، فعلى صعيد الأفراد وفي الوقت الذي كانت فيهِ مثلاً بلدية باريس تعلن إطفاء الأضواء في برج إيفل تضامناً مع الضحايا، وتوزَّع المواطنون الأوروبيون في عددٍ كبير من المدن لتوزيعِ الورود على المصلين الخارجينَ من صلاةِ الجمعة، خرج ما يسمى «العلمانيون الجدّد الناطقون بالعربية» من جحورهم، ليصفوا الحدث كمجردِ ردة فعلٍ على «الإرهاب الإسلامي»، هؤلاء باختصار لا يفرقون عن أي متطرف، بل نكاد نجزم لو أنهم أمِنوا من العقاب على طريقةِ جيش الاحتلال الإسرائيلي أو الإرهابي «أبو صقار» لأكلوا قلوبَ من يخالفهم بالرأي.
أما الدول فهي لا تقل تجارةً بالأحداثِ عن البشر، فلم يكد دم الأبرياء يجف عن الطرقات حتى بدأت الدول التي تدعي أنها «تمثل العالم الإسلامي» باستعراض العضلات كيف لا؟ وهي فرصةٌ قد لا تتكرر، فإحدى المشيخات مثلاً التي كانت ولا تزال تدعم إرهابيي جبهة النصرة الإرهابية في سورية أعلنت عن تبرعاتٍ لأسر الضحايا، أما الثانية فهي أقرَّت أن تجفيف منابع الإرهاب أمرٌ ضروري وكأن الفكر المتطرف لا ينبع من ثنايا عقيدتهم المتطرفة، أما الثالثة فاتصل وزير خارجيتها بوزير خارجية الرابعة داعياً لعقدِ قمةٍ إسلامية عاجلة للتباحثِ باستهداف المسلمين، وكأنّ عدمَ منحَ المرأة مثلاً حقّها في اختيار ارتداء الحجاب من عدمهِ ليسَ انتهاكاً لحقوقِ المسلمين، وكأن تحويلَ النظام التركي المتورطَ بدماءِ الأبرياء في سورية كشريكٍ في الدفاع عن «حقوق المسلمين»، ليس استهدافاً لحقوق المسلمين، تخيلوا أن وريث سلطنة الإجرام العثمانية التي لم تقدم للعالم إلا إبداعاتها بآلياتِ الإعدام والسحل، باتت بنظرِ من يستميت لتبييض صفحتهِ مُدافعاً عن حقوقِ المسلمين، أي نقابٍ ذاك الذي يرتديهِ البعض لدرجةٍ تجعلنا نتساءل: من الذي أعطى هؤلاءِ جميعاً حق التحدثِ باسم المسلمين، بل لكثرةِ المستفيدين من هذه الجريمة فإن سؤالاً منطقياً لاحَ في الأفق: هل هذا القاتل مأجور؟
بمعزلٍ عن كثرةِ المتاجرين بالحدث، لكن قد لا تنطبق كثيراً نظرية المؤامرة هنا تحديداً أن الدولة التي وقعَ فيها الحادث هي نوعاً ما دولةٌ مسالمة. الفكرة ببساطةٍ هي عودةٌ لمبدأ صراعِ الحضارات الذي ما زال هناك من يرفضه، وللأسف حتى من يرفضونه فإنهم يعتِّمون مثلاً على الحالاتِ المعتدلة ويضيئون على الحالاتِ المتطرفة، ليبدو هذا الصراع في حالةِ تصاعدٍ، فمن قال مثلاً إن انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة ليس تجسيداً لهذا الصراع؟ ومن قال مثلاً إن وصول مارين لوبين للدور الحاسم في انتخاباتِ الرئاسة الفرنسية ليس من ضمنِ هذا الصراع، في إيطاليا وألمانيا وغيرها بات اليمين المتطرف أمراً واقعاً لا يمكن الهروب منه؟ وبمعنى آخر: في المبدأ العام فإن هذا القاتل نفذَ عمليته ظناً منه بأنه يدافع عن قناعاتهِ، وبمعزلٍ عن هذه القناعات وفي هذا العالم المجنون فإن هذا القاتل تصحّ بهِ عندما سيعرض للمحاكمة عبارة: «كن قوياً لأجلك فالحياة تُهلك الضعيف»، هو ليس ضعيفاً بل هو يمتلك من الحجج التي قد تدفع بهِ نحو البراءة، ماذا لو قال مثلاً للقاضي: اعتبرني عنصراً من عناصر «الخوذ البيضاء» التي كانت تذبح الجنود السوريين بيد، وتتلقى باليد الثانية التكريم والأموال؟
أخبرهم أيها المجرم بأنك معارض سوري معتدل، ومن شدةِ الاعتدال كنت تنشر بياناتٍ مفادها أن الديمقراطية بدعة، والدولة الإسلامية باقية، من قال أساساً إن هذا الشعار حكرٌ على داعش؟ هذا الشعار يتردد منذ أن وُلد الإسلام السياسي قبل قرونٍ، على حين بات أتباعَ الإسلام الحقيقي والحنيف أشبهَ بالقابضين على جمرٍ من النار.
أخبرهم أيها السفاح أن «أبا محمد الجولاني» الذي قتل تنظيمه الإرهابي آلاف السوريين، كان ضيفاً على القنوات الإخبارية، وضيفاً دائماً عند أحفاد السلطنة العثمانية بل يعتبرونهُ جزءاً من الحل السياسي في سورية، فلماذا لا يعتبرونك جزءاً من الحل السياسي لصراع الحضارات؟
في هذا العالمِ المجنون فإن فرص براءتك كبيرة، أخبرهم أن مجمل ضحاياك لا يساوي الخمسين، على حين الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير قتلوا وشرّدوا الملايين وانتهى الأمر باعتذار، اعتذر عساكَ تصبح رمزاً للإنسانية فتحصل على جائزةِ نوبل للسلام على طريقةِ أسوَد البيت الأبيض. أخبرهم أنك من الفرقة الناجية، هل تعلم أيها السفاح أن هذا الحديث الكاذب قتلَ من المسلمين ملايين أضعاف ما قتلت؟ هل تعلم أن حديث «لحوم العلماءِ مسمومة» جعلَ من هم على شاكلتك أئمةً وحولهم خطوطاً حمراء لا يستطيع أحد أن يقترب منها، حتى لو أن منهم من أفتى صراحةً بقتلِ ثلثَي شعبٍ آمنٍ ليحيا الثلث؟
في الخلاصة: رحم اللـه الأبرياء الذين يرتقون ضحايا لتطرف الآخرين، لكن كل ما يجري يبدو نتيجةً منطقية للجنون الذي وصل إليه هذا العالم، ومن يظن أن القضية ستقف عند هذه الجريمة أو تلك فهو مخطئ، فالتطرف سيجر التطرف بل توقعوا قريباً أن تكون هناك عملياتٍ إرهابية مشابهة تدّعي «الثأر» لضحايا نيوزلندا، القضية ليست قضية لكلِّ فعلٍ رد فعل يوازيهِ بالقوة ويعاكسه بالاتجاه، القضية ببساطة أن الحروب هي زادُ الكثيرين بل هي سبب وجودهم، نحن لسنا في قاعِ الإنسانية المزدحم نحن خارج الجحيم، لكن المشكلة ببساطة أن الجحيم فارغ، والشياطين كلها هنا!