وعود متسلسلة

اختلفت التبريرات وتناقضت التلميحات والتصريحات، وتضخمت معاناة الناس، مع ارتفاع وتيرة المشهد اليومي الاضطراري في الحصول على حاجياتهم الضرورية من الغاز والمازوت، التي لم يتوقعوا يوما أن تأخذ هذا المنحى من الذل والهوان، فهم اليوم يعيشون نوعين من الحصار، الأول حصار العقوبات الإقتصادية، والثاني الحصار المر من متزعمي توزيع هذه السلع، وأساليبهم المبتكرة في المتاجرة بها.

وبحسب الوعود المتسلسلة لأزمة الغاز والمازوت، فإن التطبيل والتزمير لتوزيع آلاف اليترات من المازوت المنزلي على الأهالي بدأ الإعلان عنه منذ بداية الشهر التاسع من العام الماضي حيث علت تصريحات مدراء المحروقات في كل محافظة، وطرشت في وسائل الإعلام على اختلافها وكأنها نوع من العدوى .. وبشكل مجازي لا حرفي (تم تعبئة6 ألاف لتر مازوت للمنطقة الفلانية وتم تعبئة 10 آلاف لتر مازوت لأهالي المنطقة العلانية وووإلخ ) بينما مؤشرات الواقع تدل على أن أكثر من 80% من الأسر السورية لم تحصل على لتر واحد من المازوت .. وهي السلعة المتوفرة لدى شرائح معينة من الناس وفي السوق السوداء بكثرة حيث يباع بدون المازوت بين 6 و8 آلاف ليرة سورية.

ومع بداية شهر كانون أول من العام الماضي بدأت بوادر أزمة الغاز بالظهور وبدأ الحديث عن نفي وجودها من قبل أصحاب القرار، وعندما ارتفع الضجيج حول واقع احتكاري مؤلم يعيش تحت وطأته المواطن السوري الفقير، ارتفعت وتيرة التصاريح مع بداية الشهر الأول من هذا العام، وانطلقت عبارات مفادها أن الكميات تتزايد بشكل تدريجي حيث يتم حاليا توزيع 8000 اسطوانة يوميا على المواطنين في الأرياف الفلانية، وهناك كميات تزيد عن حاجة هذه المنطقة أو تلك، فكان الهدوء والانتظار سيد الموقف...وأخذ الناس يستنفدون ما لديهم من احتياطي المواد من الغاز أو الحطب أو غيرها من الاختراعات التي تسد حاجتهم في الطهي والتدفئة.

للأسف تفاقم الأزمة أدى إلى تغيير لهجة التصريحات، فمنذ عشرون يوما تحول حديث المدراء ووحدات تعبئة الغاز ومديريات حماية المستهلك، ليصبح على الشكل التالي ( انفراج قريب، ورود كميات أكبر من الغاز السائل وزيادة عدد أسطوانات الغاز المعبأة، تشدد في قمع المخالفات، عشرات الضبوطات بحق الموزعين المخالفين وسحب التراخيص من بعضهم جراء تصرفهم بالمخصصات بصورة غير مشروعة، وووإلخ) . ووصلنا إلى نهاية الشهر الثاني والغاز متوفر في السوق السوداء  بسعر يصل إلى 9000 ليرة سورية والكمية التي تريد، وعامة الشعب يقف طوابير أمام مراكز التوزيع وفي الشوارع وفي أحواش بعض الحدائق وأمام مباني البلديات بكل ما يحمله المشهد من تدفيش وألفاظ نابية وإهانات يطلقها المكلفين باللجان والقائمين على التوزيع وووإلخ

لم يتوقف المشهد عند هذا الحد فهذه الأزمات أرخت بثقلها المقيت على المزارعين والصناع والمواصلات وما يترتب عليها من مزيد وتراجع في الزراعة وفي حركة الناس إلى أعمالهم ورفع أجور السرافيس والباصات وغيرها من تجارة سوداء تنمو كالطحالب في ظل تجارة احتكارية عالية المستوى يحاول المعنيون إخفائها خلف إصبعهم، بحلول وهمية وإدارات غير منطقية لا تدل إلا على أحد أمرين أما الجهل في إدارة الأمور وعدم وجود خطط عملية للتنفيذ ومنع الاحتكار، أو أن هناك شراكات تعقد خلف الطاولات مع مستغلي الأزمات يشارك فيها مجموعة من ضعاف النفوس في كل منطقة.

لاشك أن للحصار الاقتصادي تأثيراته في تأمين المادة لكن الحرمان الذي يعيشه المواطن اليوم وكثرة الطامعين فيه والمتاجرة في حاجياته وغياب عدالة توزيع هذه المواد والوعود المتسلسلة هي الأمور التي أتعبت الناس وأرهقتهم. وبخاصة أنهم يعيشون مفارقة غير مقنعة وهم يرون الغاز والمازوت متوفر بأسعار مرتفعة ولدى أشخاص وفئات معينة وغير متوفر للعامة.

ميساء الجردي