تحديات ومصاعب هائلة تهدد العملة الأوروبية الموحدة

الأربعاء, يناير 9, 2019 - 9:15pm

البوصلة

تزامنت الذكرى العشرون لبدء استخدام وتداول اليورو العملة الموحدة في أوروبا مع المشكلات المالية والنقدية التي تعصف بالعديد من الدول الأوروبية بينما يستمر الجدل في الأوساط الأوروبية والعالمية حول أهمية هذه العملة ومستقبلها.

ورغم ان اليورو يعتبر الآن عملة احتياط صلبة تحتفظ بها البنوك المركزية وصندوق النقد الدولي إلا أنه يواجه تحديا هائلا للبقاء كعملة موحدة في ظل أزمات الديون السيادية المتلاحقة لدول منطقة الاتحاد الأوروبي إضافة إلى قضية خروج بريطانيا الذي يلوح في الأفق من الاتحاد الأوروبي ناهيك عن وجود علاقة هشة بين إيطاليا والاتحاد ما يتسبب في توتر ويهدد استقرار منطقة اليورو.

وفي إحدث مؤشرات سعر صرف اليورو تراجعت العملة الأوروبية اليوم وسط دلائل متزايدة على تباطؤ اقتصاد منطقة اليورو بينما صعد الدولار رغم توقعات متزايدة بأن البنك المركزي الأمريكي سيوقف دورة زيادة أسعار الفائدة حيث هبط اليورو 3ر0 بالمئة إلى 1285ر1 دولار ويجري تداول العملة الأوروبية في نطاق ضيق بين 12ر1 و 15ر1 دولار منذ منتصف تشرين الثاني الماضي.

وتراجعت أمس معنويات المستثمرين فى منطقة اليورو إلى مستوى جديد هو الأدنى فى أربع سنوات خلال كانون الثاني متأثرة بمخاوف بشأن احتمال انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاق وأثر احتجاجات حركة “السترات الصفراء” في فرنسا وتراجع الاقتصاد العالمي.

انخفاض غير متوقع للإنتاج الصناعي في ألمانيا للشهر الثالث على التوالي ساهم في ضعف اليورو ورغم أن الهبوط كان طفيفا إلا أنه أبرز المخاوف بشأن حدوث تباطؤء وحذر البنك المركزي في مساعيه لإنهاء اعتماد المنطقة على برامج التحفيز.

قبل عشرين عاما وفي منتصف ليلة 4 كانون الثاني عام 1999 عمت أجواء بهجة مركز فرانكفورت تمثلت في إطلاق الألعاب النارية والهتافات إيذانا بإطلاق عملة أوروبية مشتركة لتحل محل العملات الأوروبية المتعددة حيث يستخدم اليورو الآن بنسختيه المعدنية والورقية من جانب أكثر من 340 مليون شخص في 19 دولة أوروبية ما يجعله العملة الثانية الأكثر استخداما في العالم.

ومع اعتماد 11 دولة العملة الجديدة في بادئ الأمر ظهرت الصراعات التي بررها المنتقدون بأن التخلي عن العملات الوطنية القديمة كان خطأ فادحا في وقت قال معارضون: إن فرض عملة موحدة على اقتصادات متنوعة بمعدل فائدة واحدة ومستويات مختلفة من الإنتاجية أعاق الحكومات الوطنية عن إدارة اقتصاداتها الخاصة بالشكل الصحيح.

وفي بداية تداوله لقي اليورو ترحيبا أوسع فى الدول ذات العملات القوية كألمانيا وفرنسا فيما قبلته على مضض دول كانت قيمة عملتها منخفضة كإيطاليا واليونان حيث أعطى سعر اليورو القوي مقابل معظم العملات القديمة انطباعا بأنه تسبب فى ارتفاع الأسعار أما في أمور أخرى كالسفر والسياحة فقد لقى اليورو ترحيبا كبيرا من السائحين والمتنقلين بين الدول الأوروبية لتوفيره عملية تغيير العملة وتسهيله مهمة الدفع.

مشاكل عديدة عصفت باليورو أظهرت هشاشة العملة التي واجهت مشاعر متطرفة من الولاء الأعمى إلى الكراهية العمياء مع تزايد الفوارق الاقتصادية داخل الكتلة الأوروبية فيما تصاعدت التحفظات تجاه العملة الأوروبية إلى حد ما نتيجة أزمات مالية في إيطاليا وقبرص وايرلندا والبرتغال حيث تشكل مزيج متفجر من ارتفاع تكاليف الاقتراض ونمو محتضر قاد إلى ميزانيات تقشف صارمة ولا يقل ذلك عن أزمة اليونان التي اثقلت بالديون ناهيك عن أن إيطاليا وهي ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو لديها عجز كبير للغاية ودخلت في معركة طويلة الأمد مع بروكسل حول أحدث ميزانية لها.

وفي محاولة للتصدي لهيمنة الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية وضعت أوروبا خطة لزيادة استخدام اليورو في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والسلع وصناعة الطيران وقدمت المفوضية الأوروبية خطتها لدعم دور العملة الموحدة على المستوى الدولي حيث تدعو الخطة إلى مزيد من الضغوط السياسية لاستخدام اليورو فى عقود الطاقة والعمل على تسهيل إجراء المعاملات المالية باليورو وكذلك تشجيع إطلاق نظام مدفوعات أوروبي.

تحديات بارزة واجهها اليورو على مدار العشرين عاما كان أكبرها تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008 والتي أدت إلى أزمة ديون ضخمة في منطقة اليورو بلغت ذروتها بتقديم صفقات إنقاذ لعدة دول ما دفع التكتل النقدي إلى نقطة الانهيار وشكل اختبارا قاسيا لوحدة صفوفه.

لكن خبراء قالوا إن ذلك الوقت المضطرب كشف الثغرات الحقيقية لمشروع اليورو ومن بينها افتقاره للتضامن النقدي ووجود مقرضين كملاذ أخير إلا أن المصرف المركزي الأوروبي تدخل لإنقاذ الاتحاد الأوروبي واتخذ إجراءات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة لضمان تدفق الأموال في منطقة اليورو ودرء مخاطر الانكماش.

وفي الوقت الذي يرى فيه مراقبون أن دول منطقة اليورو الـ 19 لم يفعلوا ما هو كاف لتنفيذ الإصلاحات السياسية الضرورية لتهيئة المنطقة بشكل مناسب لأي انكماش في المستقبل وتحقيق تقارب اقتصادي لا تبدو العملة الموحدة اليوم محصنة بالقدر الذي يجعل منها عملة عالمية ناضجة ودائمة خاصة في ظل إعادة تشكل التحالفات الدولية اقتصاديا وسياسيا.