أفغانستان بعد سوريا والعراق حلبة صراع أميركي-سعودي مع إيران.. أم تفاهم ؟ ....

هل لا يزال كثيرون منكم يذكرون أفغانستان؟ ربما لا، فحروب العالم على أرضنا العربية أنستنا تلك الدولة الكبيرة في آسيا الوسطى التي تضم أكثر من ٣٥ مليون نسمة والتي على أرضها خيضت أكبر حروب التنافس الأميركية السوفياتية، والتي على أرضها تم تمويل واختراع الإرهاب العالمي لإخراج الجيش السوفياتي واسقاط حليفه الرئيس نجيب الله (1992) بعد اختراع حرب أهلية ضروس كما هي الحال في بلادنا .

الآن دخلت أفغانستان مجددا في سياق الصراع بين أميركا وحلفائها من جهة وإيران وحلفائها من جهة ثانية. الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرر سحب نصف القوات الأميركية ( ألبالغ اجمالي عددها ١٤ ألفا ) من الدولة التي وعد أسلافه بأن يحولوها الى جنة من الديمقراطية والحريات والرفاهية بعد اخراج السوفيات فتقسَّمت وتحولت الى أخطر مراكز الإرهاب في العالم وازداد فقرها وتخلفها ( هل يذكركم الأمر بدول أخرى عندنا؟؟).
لو انسحبت أميركا فان القلق ينمو من أن يكون لإيران دور أكبر في تلك المنطقة. لذلك رأينا جولة من المفاوضات الأفغانية في الامارات وبرعاية أميركية، وقريبا ستجري مفاوضات أخرى في السعودية. بينما الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني زار ايران مباشرة بعد مفاوضات أبو ظبي والتقى بطالبان وبكبار المسؤولين الأفغان.
تشترك ايران مع أفغانستان بحدود ٩٥٠ كيلومتر وتعقدت العلاقات مرارا بين الجانبين لكنها الآن تسير على نحو جيد وموسكو ليست بعيدة أبدا عن هذه الخطوات الايرانية الأفغانية في سياق تحالف استراتيجي واسع بين موسكو وطهران .
حركة طالبان (التي كان رجالها يوصفون سابقا برجال الحرية من قبل واشنطن حين كانوا يضربون السوفيات ثم صاروا إرهابيين بنظرها حين انتهت مهمتهم، هل يُذكِّركم الأمر بشيء ؟ ) كانت قد أعلنت أنها أجرت لقاءات مع مسؤولين إماراتيين وباكستانيين وسعوديين، لكنها رفضت لقاء وفد رسمي من أفغانستان.
لنلاحظ التالي:
• ترامب يعلن انسحابه من سوريا، وانسحاب نصف قواته من أفغانستان، وعدم الانسحاب من العراق.
• السعودية والامارات تستضيفان مفاوضات أفغانية بالتعاون مع اميركا وباكستان، وذلك بعد رعاية الرياض لمفاوضات اريترية اثيوبية وتعزيز علاقات استراتيجية مع جيبوتي .
• ايران تعقد محادثات مهمة مع حركة طالبان بتفاهم مع السلطات الافغانية
• السعودية تعلن قبل أيام عن اتفاق لتأسيس كيان لدول البحر الأحمر وخليج عدن، وذلك بعد اجتماع في القاهرة في 12 الجاري لتعزيز استراتيجية كبيرة بين الدول الست المشاطئة للبحر الأحمر.
• قطر وتركيا تسعيان لمنافسة السعودية والامارات في منطقة البحر الأحمر وافريقيا، وذلك فيما التنافس على أشده في المنطقة نفسها بين طهران والرياض.
كل شيء يشير الى أن كل طرف يعزز مواقعه، ويقوي متاريسه ضد الآخر، وبما أن إيران صارت بالنسبة لبعض الدول العربية اخطر من إسرائيل (ذات الشبكة الواسعة حاليا في البحر الأحمر وافريقيا)، وبما أن ترامب قرر المضي قدما في التضييق على ايران، فان ما نراه الآن من افريقيا مرورا بالدول العربية وصولا الى آسيا، يدخل في اطار تنافس دولي واقليمي كبير وخطير....
لكن السؤال هو التالي: ماذا لو قرر ترامب يوما ما، كما قرر قبله باراك أوباما العودة الى التفاوض مع طهران؟ هذا وارد، فربما تحتاج أميركا يوما ما التعاون مع إيران لضمان انسحاب آمن من أفغانستان (كما حصل سابقا) ولذلك كل طرف يجمع الآن أوراق قوته لكي تكون المفاوضات من موقع القوة لا موقع الضعف..
هذا بالضبط ما يحتاجه العرب: تعزيز مواقع القوة لا التفرقة والتباغض، فحين يزور رئيس أميركا العراق دون أي لقاء مع قادته ويقرر أن قواته باقية هناك، فهو لا يهين العراق فقط وانما كل عربي لا يزال يحتفظ بشيء من الكرامة. وحين تقصف إسرائيل دمشق، فهي لا تعتدي فقط على سوريا وانما على كرامة كل عربي لا يزال عنده شيء من الكرامة.
ما لم نقتنع بذلك فنحن وأفغانستان وكل دولة نامية سنبقى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية وأسواق نخاسة لبيع الاسلحة ونهب الثروات.
ملاحظة : يرجى التعليق بعد القراءة وليس قبلها، كما اتمنى فقط تعليقات محترمة. ومن لا يستطيع ذلك، يمكنه الذهاب الى جبال افغانستان والقتال وممارسة كل انواع البطولة.