عقدة المنشار ..!!

لم تتمكن آستنة في جولتها الأخيرة من أن تغلق الثغرات، التي سبق أن حالت مراراً وتكراراً دون تحقيق اختراق يمكن البناء عليه، حيث انتظار تصاعد الدخان الأبيض يكاد يصطدم بالمعضلة ذاتها، التي باتت عقدة المنشار في مختلف الجولات الماضية،

 

إلى درجة أنها في كل مرة تعيد الأمور إلى المربع الأول، وربما إلى ما قبله، وهي المتعلقة بفصل التنظيمات الإرهابية عن تلك التي يراها ضامنها التركي غير ذلك، وهي الأحجية نفسها التي سبق للأميركي التماهي معها على مدى سنوات إلى أن أقرّ أنها مجرد «فانتازيا».‏

في المقاربة المنطقية يبدو من الصعب فهم الاحتكام إلى هذا المنطق الأعوج في قراءة مسارات البحث عن حل سياسي، رغم ما يتوافر من أدلة وقرائن على أن ذلك في علم السياسة والدبلوماسية مداورة في الفراغ، وإعادة متاجرة بالوهم، الذي يوصل الأمور في كل مرة إلى المراوحة في المكان، والذي تستغله التنظيمات الإرهابية وضامنها التركي من أجل شراء الوقت، على أمل أن تحمل التطورات ما يخفف عنها وطأة الالتزام بتعهداتها، وهذا ما يفسر الطلب التركي بتفاهمات حول اتفاق سوتشي مع الروسي، وربما كان الاعتداء الكيماوي الذي شنته التنظيمات الإرهابية يدخل في سياق المراهنة على قلب الطاولة.‏

الاستعصاءات التي تواجهها آستنة -إن صحت التسميات- تراكم من الهواجس المرتبطة بسياق الدور التركي، والمهمة الوظيفية القائمة على تفخيخ المشهد واعتباره جزءاً لا يتجزأ من التركيبة السياسية لنظام أردوغان، الذي يراهن على الحلقات الوسيطة التي يعيد رسمها داخل التنظيمات الإرهابية، بالتناوب مع اللعب على حبال الشد والرخي مع الأميركي وصولاً إلى الغاية التي يعمل على أساسها، انطلاقاً من المسلمات التي تعيد ترتيب شروط الارتباط التركي بمثلث العلاقة الموثقة بالإرهاب وتقاطعاتها مع المصالح الأميركية وظواهرها المتورمة، التي يبني عليها من أجل المماطلة والتسويف اعتماداً على أن الأميركي ليس بوارد البحث عن حلول، ويقرّ ويعترف أنه ليس جاهزاً لها، ولا هو في عجلة من أمره للنقاش فيها.‏

فالاستنتاجات الأولية التي ترسم ظلالاً من الشك في مسار آستنة لم يعد لها مكان على طاولة النقاش، وقد خطت مسارها بعيداً عن تعقيدات وتجاذبات العلاقة مع الأميركي، وتمكنت إلى حد كبير من تطويع التركي ليكون أحد الحوامل الوظيفية داخلها، وتلك واحدة من الدوافع التي تجعل الأميركي يراهن خلالها على ذلك الدور المفخخ للتركي الذي يراكم من مماطلته، حيث الفارق الحقيقي القائم ينحو باتجاه رسم هوامش إضافية تعيد النفخ في القربة المثقوبة، التي نفخ فيها الأميركي طويلاً في محاولة عبثية لإعادة اكتشاف «الدولاب» في نهاية المطاف، بأن تلك الفروق بين التنظيمات الإرهابية مجرد فروق افتراضية، وأنها من المنشأ ذاته، ولا يمكن التفاهم معها أو أنها لا تستجيب للضامن التركي.‏

عقدة المنشار التي رست عليها التفاهمات الاميركية التركية تشي بأنها ستبقى قائمة ما دام هناك مهل تعطى للتركي، وما دام الأميركي يمارس عدوانيته من خلال وجود غير شرعي، يحاول توظيفه لزيادة ما هو قائم من تلك العقد، بحيث تفيض عن الحاجة الفعلية للعرقلة أو على الأقل لتأخير جملة من الخطوات، بما فيها تلك التي تعهد النظام التركي بالقيام بها، ويمكن توظيفها لإجهاض ما حققته آستنة حتى اللحظة، والتمهيد بقصف سياسي ودبلوماسي وإعلامي منسق يشكك في جدواها وصولاً إلى محاولة إخراجها من التداول قبل أن يباشر الوسيط الأممي الجديد مهامه..!!‏