أوركيش القديمة مدينة أسطورية تاريخية

الخميس, نوفمبر 15, 2018 - 11:00pm

البوصلة

  كانت معروفة في الأساطير والتاريخ ...أوركيش القديمة مدينة دفينة تحت تل أثري عرف بتل موزان تختزن في ركامها تاريخ عصور وعهود خلت, هي أول عاصمة للحوريين التي كان لها الأثر السياسي والديني في الجزيرة السورية العليا فكانت من أهم مدن شمالي حوض الخابور في بداية الألف الثاني ق.م.

اكتشافها أعطى معلومات هامة عن حضارة سورية في تلك الحقبة , و السويات المكتشفة فيها مثلّت ثلاث سويات استيطانية تشمل المدة الواقعة بين 2750 ق.م و 1500 ق.م تقريباً, أما التنقيب في التل فقد اظهر سور المدينة وأطلال مبنى حجري وطبعات أختام وآثارهامة .‏

تل موزان هو موقع لمدينة أوركيش القديمة يقع في الجزيرة السورية العليا، غرب مدينة القامشلي، على بعد 5 كيلومتر إلى الجنوب الشرقي من بلدة عاموده، نحو 100 كيلومتر شمال مدينة الحسكة ,ويعد من أهم مواقع الألف الثالث ق.م فيها، إذ يضم أطلال أول عاصمة للحوريين عاصمة المملكة التي كانت مُسيطرة على المرتفعات إلى الشمال , والتي كانت تحوي على مخازن النحاس الذي جعل من المدينة غنية, وقد ارتبطت أوركيش بتاريخ الحوريين في الألف الثالث ق.م, كما كان حال (نوزي) في الألف الثاني ق.م , فكانت المركز الأساسي للحوريين الذي احتُفل به في أساطيرهم وهو المكان الذي عاش فيه أب الآلهة كوماربي , كما كان لها شأن متميز بصفتها مركزاً سياسياً وحضارياً للحوريين أعطى معلومات وافرة عن تاريخ سورية القديم وحضارتها ,إضافة إلى الأثر الديني الرئيسي لأنها كانت مركز الإله كوماري كبير الآلهة الحثية.‏

يبلغ طول التل 700 متر وعرضه حوالي 400 متر، وارتفاعه عن السهل المجاور حوالي 20 متراً، وتبلغ مساحة التل المركزي الداخلي نحو 30 هكتاراً, ويمتاز شكل هذا التل بأنه يختلف عن كل التلال الموجودة في سورية ، ويتألف من سبعة تلال متلاصقة، يحيط بها سور ظاهر للعيان.‏

كشفت أعمال التنقيب في الموقع عن عدة سويات، من الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد وتبين أن هذا التل يضم مدينة أوركيش أول عاصمة للحوريين في الجزيرة السورية العليا, وتمثل السويات الأثرية المكتشفة ثلاث سويات استيطانية تشمل المدة الواقعة بين 2750 ق.م و 1500 ق.م تقريباً, ويمكن تلخيص هذه السويات على الشكل التالي السوية الأولى‏:‏

تعود إلى بداية الألف الثالث قبل الميلاد (حوالي 2750 ق.م) وأهم آثارها: مصطبة المعبد  وسور المدينة الداخلي الذي تبلغ ثخانته ستة أمتار والخندق المائي والمقبرة, كما وجدت أوانٍ فخارية تحمل زخارف هندسية مطلية باللونين الأحمر والأسود وطلاء مشابه للطلاء القرمزي الذي عثر عليه في جنوبي العراق, ووجد جرار ذات قواعد إضافة إلى كؤوس وأوانٍ من نوع الفخار المعدني ودبابيس برونزية وغير ذلك.‏

السوية الاولى1:

تعود هذه السوية إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد (2500 ق.م) حيث بلغت المدينة آنذاك أقصى اتساعها, وأهم مكتشفات هذه السوية المعبد  معبد كوماربي المبني في أعلى قمة التل وتحت الطبقة السطحية مباشرة يعود إلى اسم الملك الذي بنى المعبد 2400 ق.م ,الذي عُرف عن طريق تمثالين لأسدين من البرونز وأساسات المعبد باقية إلى اليوم تغطي لفترات مبكرة من المعبد نفسه , وقد بُني المعبد على قمة مسطبة واسعة تم كشف جزء محدود من الجدار بالمسطبة وكذلك الدرج الحجري الضخم المحيط الأكثر عظمة وفخامة ولكنه كافٍ لإعطائنا إحساساً بالمشهد المثير الذي استطاع القدماء إبداعه سابقاً,إضافة إلى الكثير من الأبنية الإدارية المهمة , كما تم اكتشاف عدد كبير من طبعات الأختام التي تدل على مستوى عال من التنظيم الإداري للمدينة , ووجد قسم كبير من هذه الأختام في الأنقاض المحروقة خارج سور المدينة , وعثر أيضاً على تماثيل وأوانٍ فخارية ذات وظيفة إدارية مرتبطة بالمعبد.‏

السوية الثانية 2:

وتعود إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد (نحو 2250 ق.م)، ومن الواضح أن المعبد ظل يعمل في هذا العهد, وعثر في هذه السوية على أبنية إدارية وغرفة تخزين وجد فيها رقيمان مسماريان يدلان على النفوذ الإداري الأكادي في هذه المملكة الحورية, كما أن معظم الأواني الفخارية من النوع العادي المعروف في سوية المعبد الذي استمر على امتداد النصف الثاني للألف الثالث قبل الميلاد.‏

إن أكثر الأبنية التي عثر عليها أهمية في هذه المرحلة هو البناء الملكي  الذي يعتقد أنه يمثل القصر الملكي القديم ما تبقى منه في صورته التي يبدو عليها حالياً أنها تعود إلى فترة مُتأخرة بقليل عن المعبد ,أي نحو 2300 ق.م.‏

تم كشف جناح الخدمات بالكامل بينما لا يزال الجزء الأكبر من الجناح الرسمي مقر إقامة الملك, ممتداً أسفل بقايا مستوطنات الفترات المتأخرة , وقد كشفت الحفريات عن منطقة التخزين وقسم من مناطق الخدمة وقسم من المدخل, وعثر على أختام وطبعات أختام كثيرة مما يشير إلى استعمال الأختام استعمالاً واسعاً في القصر الملكي وقد أعطت هذه الأختام معلومات تاريخية قديمة عن سلالة الحوريين الذين حكموا المدينة، وعن الملكة التي أتت من الجنوب، وتناولت أيضاً ابنة نارام سين، الملك الأكادي الأعظم قوة، والذي قام بفتح كل ما تبقى من سورية، ولكنه بقي حليفاً لأوركيش إضافة إلى ذلك تم العثور على عدد كبير من طبعات أختام الأبواب والجرار, وتعود هذه الأختام إلى الملك والملكة وأفراد الحاشية الملكية.‏

أما الاكتشاف المميز فهو العثور على اسم (الملك توبكيش والملكة أوكنيتوم) ولقب الملك ( إندان) , وقد قدمت هذه الأختام معلومات كثيرة عن حياة القصر، منها تنظيم الهدايا التي يقدمها المزارعون والصناع من المدينة أو من خارجها، وعن الاستقبالات التي كانت تتم، ودور الملكة في إدارة بعض الشؤون، وتظهر إحدى طبعات الأختام الملكة وفي حضنها طفل وقبالتها يجلس الملك مع شاب يعتقد أنه ولي العهد.‏

بناء استثنائي أخر لافتاً للنظر هو ذلك التجويف الواسع والعميق المطوي بالحجارة تحت مستوى سطح الأرض, حسب المفاهيم الحورية، كانت تُستدعى فيه أرواح العالم السفلي عبر وسيطة قادرة على فهم وترجمة عبارات الهمس التي تُطلقها .‏

تأّتي أهمية هذا البناء من القيمة العقائدية العميقة التي يحملها ما زال لهذا البناء وقع كبير على الزوار بسبب ضخامته التي حافظ عليها عبر الزمن.‏

السوية الثالثة:

تعود إلى النصف الأول للألف الثاني (2000ق.م - 1500ق.م)، وهي بداية مرحلة انحسار الاستيطان في الموقع إذ تقلص السكن حتى المدينة الداخلية, وكُشف في هذه السوية عن بيوت سكن متواضعة ومختلفة وبقايا قبور ومخازن ومخابز, وتميزت الأواني الفخارية باستخدام القار في صنعها وحفظها وزخرفتها, وكانت عموماً من الأنواع الفخارية الخشنة ,بعضها حاول تقليد الأشكال والزخارف التي كانت فيها منذ بداية الألف الثالث ومنها الفخار المعدني، إضافة إلى الفخار الملون المسمى بفخار (الخابور) , وفي المراحل الأخيرة من حياة الموقع وُجدت آثار استيطان بسيطة تعود إلى منتصف الألف الثاني ق.م. (عصر نوزي )‏