أول الغيث..

لم يكن التحدي الذي أطلقه أبناء الجولان العربي السوري المحتل، مجرد رسالة رفض لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي البغيضة، ولا هو رد فقط على كل ما تروجه آلة الدعاية الصهيونية وبعض الإعلام المتصهين من افتراءات على الحقيقة والتاريخ،

 

بل تمثل نقطة تحول حاسمة تعيد إلى الإحساس العربي والوجود القومي بعضاً مما فقده عبر عقود طويلة، وعلى وجه الخصوص خلال الحرب الإرهابية التي كانت إسرائيل أحد أذرعها، وربما أهم ادواتها التي كانت تراهن عليها منظومة العدوان لإحداث الفرق الذي كانت تراهن عليه دوائر القرار الغربي وأدواتها الوظيفية في المنطقة.‏

فالمسألة ببساطة وضعت حداً فاصلاً بين تاريخين، لا بد أن يشكلا الفارق الأساسي في المواجهة، خصوصاً في وقت كانت مختلف الدوائر الغربية تروج فيه لمقولات التيئيس، والتي تشكلت على خلفيتها رحلة الهرولة الخليجية التي نشهد جزءاً يسيراً من إرهاصاتها المعدة تمهيداً للوصول إلى الصفقة الكبرى المنتظرة بتصفية القضية الفلسطينية وتهويدها وتحويل العلاقة مع إسرائيل إلى ما يتجاوز مسألة الأمر الواقع، كما يتم الترويج له بحثاً عن ذرائع متنقلة ومكشوفة للعيان، في ظل تراكمات أنتجت خلطاً متعمداً ضاعت فيه الألوان وتماهت الخطوط وتساوت السقوف، وربما أباحت المحظور..!!‏

المحسوم حتى الآن على الأقل أن التحدي الذي أظهره أهلنا في الجولان أجهض المخطط الإسرائيلي في حده الأدنى، وبالشكل الذي كان مطروحاً، والأهم أنها فرملت الاندفاعة الإسرائيلية بالتوازي مع إبطاء في الهرولة التطبيعية، التي طفت على السطح بشكل وقح في الأيام الأخيرة، ورسمت ملامح مرحلة تحاكي في الحد الأدنى بداية تحول في المشهد الإقليمي الذي بدوره سيعيد ترتيب الأولويات في سياق صحوة قومية، تتجذر على وقع ما أحدثته من ارتجاج في الوعي القومي، خصوصاً أن ما حدث في الجولان العربي السوري المحتل كان بالتوازي مع امتداداته في القدس المحتلة أعاد إلى المشهد جزءاً من ترابطه المصيري الذي حاول الكثيرون نعيه والنفخ في رماد جثته.‏

التداعيات لن تكون محصورة في نطاق ما هو متداول اليوم، وإنما كانت الرسائل التي خطتها تتجاوز الجغرافيا والسياسة لتصل إلى جذر القضية الأساسية، حيث تعيدها إلى الواجهة ومن البوابة القومية التي حاولت منظومة العدوان وأدواتها إغلاقها بإحكام، وأوصدتها بالمتاريس من خلال مراكمة الانهيارات التي حدثت في المنظومة العربية وتفكك أغلب عوامل وجودها، مع الإضافات الناتجة من داخل النص من قبل الأعراب، الذين قادوا الوضع العربي إلى الخراب والدمار، وبنوا على جثته واقعا كان يراد له أن يكون السياق الطبيعي للوجود الإسرائيلي سواء كان عبر صفقات السياسة والإذعان أم اقتضت الضرورة أن يكون من بوابة الصقيع العربي الذي وصل إلى بداية النهاية التي لن يطول انتظارها.‏

لسنا بوارد المبالغة، ولا البناء على افتراضات أو رسم أحلام، لكن ثمة تحول بدأت ملامحه بالتبلور، وهو ما يتم التعبير عنه بكثير من الإسهاب والشرح، وإن اختلفت المصطلحات أو تمايزت المفردات، أولها أن ربيعاً فعلياً يطرق البوابة العربية من جذرها القومي، وأن التلاقي بين الجولان والقدس لم يكن عفو الخاطر أو بالمصادفة عشية وعد بلفور المشؤوم، بقدر ما كان يرسم طيفاً تتسع مساحته في رفض وجود المحتل ذاته والعدو عينه، في إشارات لم يعد بمقدور أحد تجاهلها أو القفز من فوق معطياتها، وأن الفجر الذي انبلج صبيحة التاسع والعشرين من تشرين الأول وأضاء نهارات الجولان والقدس كان أول الغيث يصلح للتأسيس لربيع قومي ينفض عن العرب ووجودهم ما تراكم في صقيع آن أوان ذوبانه، وبان من خلفه مرج العروبة متشحاً بزوابع أمة تستعيد جذوة وجودها في مقاومة الاحتلال والهيمنة واجتثاث الإرهاب..!!‏