الحفظ والتلقين

ربما يرى البعض أن العودة للحديث حول المناهج المعدلة أو الجديدة أو المطورة وغيرها من التسميات أمر أصبح مكررا وغير وارد في ظل الوصول إلى المراحل النهائية من عمليات التعديل والتطوير كما صرح مؤخرا، حيث كانت الأهداف الاستراتيجية المعلنة من وراء اصلاح نظام التعليم وتطوير المناهج هو التخلص من الأساليب التعليمية الراكدة والتقليدية، ومن أساليب الحفظ والتلقين والانتقال من اعتبارات الكم إلى الكيف، وتغيير اتجاه البوصلة في طرائق التعلم بما يكفل للطالب تحصيل المعارف بطرق ميسرة تساعده على التحليل والتركيب. إلا أنه وبعد خوض التجربة وتطبيقها خلال السنوات الأصعب والأحرج بالنسبة للأسرة السورية بشكل عام وهي سنوات الأزمة، جاءت المناهج المحدثة مخالفة للأهداف التي وضعت من أجلها، وبكل بساطة وباعتراف أهل الاختصاص، المحتوى المنهجي، لا يشجع على تنمية المهارات والتفكير البحثي والناقد، ولا يشجع على التعليم الذاتي.
لاشك أن تعديل المناهج وتطويرها كان أمرا ضروريا ومطلبا هاما منذ عشرين عاما، لتنمية مهارات التحليل والاكتشاف لدى المتعلمين وتشجيعهم على الإبداع، إلا أنه وبعد مرور حوالي أربع سنوات من بدء التطبيق على ما تم تعديله، وحتى هذه اللحظة، وبعد تكلفة مليارات الليرات على عمليات التحديث والطباعة، للأسف لم تتخلص الكتب المدرسية من مشكلة الحشو الكبير والتضخم في المعلومات غير المفيدة، بل وصلت مشكلة الحفظ إلى أعلى مستوياتها وأصبحت عقول الطلبة كالأرشيف الممتلىء بالمعلومات والمعارف التي لا تتيح له القدرة على التحليل والتركيب والاكتشاف، نعم حدثت عملية التطوير، فنقلت أبحاث من كتب في المراحل الدراسية العليا إلى المراحل الأقل، وكثفت المعلومات الدقيقة في كل مادة علمية حتى أصبحت بحد ذاتها اختصاصا، ونسج المعارف بطرق مبتورة، وبالنهاية لم تصل المناهج بحلتها المحدثة إلى الهدف المطلوب في إلغاء الحفظ والتلقين بل ارتفعت وتيرة الأعباء على الطلبة في جميع المراحل وارتفعت معها ظاهرة الدروس الخصوصية والتوجه نحو التعليم الخاص وانخفضت العملية التربوية لدى المعلم الذي أصبح غير مكترث بإيصال المعلومة إلى طلبته طمعا بالدروس الخصوصية.
للأسف هناك دائما دوافع مستجدة لتحريك هذا الموضوع، فالتجربة تكذب الغطاس، والتضخم في الكم على حساب الكيف، أوقع المناهج الجديدة بنفس الحفرة التي كانت تعاني منها سابقا، ولكن بصيغ معاصرة وأشكال جديدة ولبوس مختلف. وبمقاربة تحليلية بسيطة لطبيعة ما يقال وما يكابده الطالب السوري وذووه، وبالتمعن في ما وصلت إليه ظاهرة الدروس الخصوصية التي ارتفعت إلى نسبة 100 % يتبين بوضوح أن هناك شيئا مبتذلا في مسالة المناهج، على الرغم مما كلفته من أموال طائلة وجهود لمئات المختصين، والأهم في كل ذلك أننا لم نتخلص من مشكلة الحفظ والتلقين بل ادخلت قضية التعليم في متاهات أكثر تعقيدا، تخفي وراءها ما يستحق الوقوف عنده دائما وفي كل وقت.

ميساء الجردي