المصرف الصناعــي والتوفيــر والتســليف الشــعبي: الاندماج قد يكون خياراً.. لكن هناك حلول أخرى

الأحد, أكتوبر 21, 2018 - 8:15pm

البوصلة

عقبات كثيرة اعترضت العمل المصرفي خلال الحرب على سورية بدءاً من الحظر التقني المفروض عليها إلى الحصار الاقتصادي والذي طال المصارف وصولا الى السحوبات التي وقعت على الارصدة والودائع مع بداية الحرب كنتيجة طبيعية للهواجس التي انتابت المودعين على اختلاف شرائحهم بين كبار وصغار المودعين والمدخرين
الامر الذي جعلها في وضع غير مسبوق ووضعها في مواجهة ظروف لم يسبق ان واجهت مثيلاً لها في تاريخها منذ الاستقلال وحتى اليوم.‏

مفرزات الحرب‏

وان كانت المصارف قد تجاوزت الكثير من العقبات ولا سيما منها تراجع الايداعات لتلبيتها السحوبات مفضلة سمعة القطاع المصرفي الوطني على معدلات سيولتها فإنها ولا شك قد عانت الامرين في الجانب التقني من شبكات الدفع الالكتروني وتراسل المعطيات ووصولا الى الصرافات الالية وسواها من تقنيات العمل اليومي ضمن فروعها وإداراتها ناهيك عن عدم قدرتها خلال سنوات الحرب مواكبة ضرورة التوسع وتغطية المدن والمناطق بفروع ومكاتب جديدة لها نتيجة تحجيم الانفاق واعتماد الانكماش عنوانا لكل المشاريع والاستراتيجيات الاستثمارية التي تعتمد بشكل دوري في كل مصارف العالم.‏

انتفاء الجدوى‏

كل ذلك جعل من المصارف الوطنية تلجأ الى حلول لا يمكن ان تعدو سياسة اطفاء الحرائق بدل السياسة الوقائية المفترضة ولكن نتيجة قلة حيلتها من جهة وقلة الموارد المخصصة لها من جهة اخرى نتيجة ضخ الحكومة المال المتوفر لديها في اوجه اكثر ضرورة, ورغم ان تلك الحلول قد اثمرت في مراحل ذروة الحرب ومراحل انكفائها الا ان المصارف اليوم باتت على يقين من ان هذه الحلول لم تعد مجدية بالمطلق ولم تعد قادرة على حل مشكلاتها التي بات بعضها يهدد بعض المصارف في وجودها، فكان الحل من وجهة نظر المصارف نفسها دمج كل المصارف التي تعاني مشكلات في مصرف واحد يجعل امكانياتها المتناثرة تجتمع في جسم واحد لتكون ذات تأثير في الحل.‏

أدبيات الدمج‏

الدمج هو اتفاق بين مصرفين او اكثر على ضم كافة مواردهما واتحادهما في كل واحد بحيث يصبح الناتج كيانا واحدا له شخصية اعتبارية مستقلة عن المصارف التي اندمجت وفقدت بالتالي شخصيتها الاعتبارية المستقلة ونظرا للصعوبات التي يمر بها التعاون والتنسيق الاقتصادي المصرفي فان النموذج الذى يسود في دول المشرق عموما اصبح محصورا من الناحية العملية داخل البلد الواحد ولا يمتد لأكثر من بلد واحد نظرا لاختلاف الخلفيات القانونية لكل بلد لذلك كان من الايسر على الاقل ان يتم الدمج بين مصرفين داخل البلد الواحد.‏

ويأتي الدمج كحل لمواجهة التحديات الاقتصادية الكبيرة والتي تجعل من غير المعتدل ابقاء وحدات مصرفية صغيرة تكاد تخدم متطلبات اقتصادها المحلية بصعوبة ولا تستطيع القيام بالخدمات المصرفية التي يتطلبها الاقتصاد وهي مهام تقوم بها المصارف الخارجية الموجودة الامر الذي يفرض وجود وحدات مصرفية ذات امكانيات وموارد مالية وافرة بوسعها مواكبة اخر المستحدثات في تكنولوجيا المصارف وهو الامر الذى لن يتأتّى لمصرف بمفرده وخصوصا بعد كل ما مر بمصارفنا خلال فترة الحرب من عقبات وعقد ومشاكل استعصت تقريباً على البنوك ذات الموارد المالية المحدودة نظرا لحجمها وحجم مشاكلها المتوارثة.‏

الدمج الودّيّ‏

المصارف العامة السورية اتفقت فيما بينها على دمج بعضها معتبرة ان هذا الحل له ما له من الإيجابيات لجهة قدرته على تحقيق تخفيض كبير وملموس في النفقات نظرا لزيادة الانتاج وانخفاض وحدة التكلفة تبعا لذلك ما يفرز وفورات حقيقية تنعكس على نتائج المصرف، ناهيك عن توسيع القاعدة الرأسمالية وتجميع الموارد المالية والبشرية من مواهب وكفاءات ومهارات ما يساعد على الانطـلاق السليم والاداء المتميز وعلى تحقيق الاستخدام الافضل والامثل للموارد مع عناصر الانتاج المتوفرة, دون إغفال دور الدمج في تقليل عدد المصارف غير المجدية اقتصاديا وليست لها مساهمة عملية في الاقتصاد بل يعتبر استمرارها عبئا ماليا على اقتصاد البلاد.‏

كما أنه يمكّنها من المنافسة والتوسع وانشاء شبكة كبيرة من الفروع الامر الذى يعني تغطية جغرافية أشمل لكل المحافظات والمدن والمناطق السورية، ولعل النموذج الأوضح فيما تنوي المصارف العامة السورية القيام به (في حال وافقت الجهات الوصائية) ويندرج ذلك ضمن تصنيف الدمج الودي والذي نَحَت كل أدبيات المصارف في تعريفه بأنه الدمج الذى يتم وديا بين مصرف واخر بقصد الحصول على فوائد تشمل فيما تشمل تحقيق العوائد المرتفعة في ضوء اقتصاديات الحجم الكبير وما يتحقق عنها من وفورات.‏

الهيكلية الملائمة‏

المصارف العامة السورية اتفقت فيما بينها خلال اجتماع سابق لمديريها العامين الستة على رؤية خاصة حول تطوير الية العمل في المصارف بما في ذلك الهيكلية الاكثر ملاءمة لتنظيم عمل المصارف العامة وفق خطوتين اثنتين، حيث تقوم الخطوة الاولى على استصدار صك تشريعي لقانون خاص بإدارة المصارف العامة ينسجم مع نظام الحوكمة وقرارات مجلس النقد والتسليف بحيث يتضمن القانون الخاص بإدارة المصارف توليفة من البنود التي تشمل تمتع المصرف بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والاداري، على أن يتولى ادارة كل مصرف مجلس ادارة مفوض بكامل الصلاحيات ويعتبر السلطة العليا في المؤسسة، إلى جانب مدير عام يقود الادارة التنفيذية لتنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي وضعها المجلس ويكون مسؤولا امام المجلس عن حسن تنفيذ هذه السياسات.‏

ومن المقترح وفقاً للرؤية أن يختص مجلس الادارة بوضع الاستراتيجيات ورسم السياسات ورصد الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذ السياسات والخطط ووضع نظام مالي اساسي ونظام تعاقد خاص يصادق عليه من وزير المالية، ويتألف مجلس الادارة من تسعة اعضاء ويصدر قرار تشكيله من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح من وزير المالية ليشمل خمسة اعضاء مستقلين من وزارات ومؤسسات الدولة ذات الصلة واربعة اعضاء من المؤسسة هم المدير العام ومعاون المدير العام ومديران اثنان مركزيان بحيث يكون رئيس مجلس الادارة من الاعضاء المستقلين ويتم انتخابه من قبل المجلس بالأغلبية.‏

كما تضمّن المقترح تسمية المدير العام بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المالية ممن تتوفر فيه شروط الإجازة الجامعية بأحد اختصاصات العلوم الاقتصادية او الحقوق على الاقل بما يتوافق مع ملاك المصرف والتوصيف الوظيفي، وان يكون قد مارس العمل الوظيفي ما لا يقل عن 10 سنوات، وان يكون قد تولى كذلك مرتبة مدير على الاقل لخمس سنوات، مع استثناء اعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات من كلية الاقتصاد والحقوق من الشروط السابقة شريطة ان لا تقل خبرة المدير العام الادارية عن ثلاث سنوات، مع خضوع اسس التعيين والنقل وانتهاء الخدمة للأصول المتبعة في قانون العمل وبما ينسجم مع دليل الحوكمة المعمم من مصرف سورية المركزي، على أن يضع مجلس الادارة النظام الداخلي للمصرف ويصادق عليه وزير المالية، كما يضع مجلس الادارة نظام العمليات والتعليمات التنفيذية ويصادق عليها من مصرف سورية المركزي، بالإضافة إلى وضع كل مصرف دليل اجراءات داخلي بما يتوافق مع النظام الداخلي ونظام العمليات، كما يضع كل مصرف ادلة ضبط داخلي بحيث تكون الرقابة آنية وواضحة وبما ينسجم مع الضوابط المقررة من قبل مصرف سورية المركزي.‏

معايير الأداء‏

رؤية المصارف بتطوير آلية العمل لديها شملت أيضاً في المقترحات أن يضع مجلس الادارة معايير ومؤشرات الاداء، على أن يضع كل مصرف ميثاق الاخلاق المهنية ويعرض على مصرف سورية المركزي بحيث تتم الرقابة على المصارف بما ينسجم مع مبادئ الحوكمة المقررة من مصرف سورية المركزي ومفوضية الحكومة لدى المصارف، كما يُمنح اعضاء مجلس ادارة المصرف تعويضات شهرية تعادل الراتب الشهري لكل عضو ويعامل العضو المستقل غير العامل في وزارات الدولة او مؤسساتها معاملة العضو ذي الراتب الاعلى في المجلس، على أن تقوم لجنة المكافآت والترشيحات المنبثقة عن مجلس الادارة بتحديد نظام واسس منح الرواتب والتعويضات والمكافآت لمجلس الادارة ولكافة العاملين في المصرف ويصادق عليه من الوزير.‏

شموليّة الأعمال المصرفية‏

أما الخطوة الثانية من الرؤية الإصلاحية للمصارف فترتكز على ان تتم اعادة هيكلة المصارف العامة من خلال آلية الدمج بعد استصدار القانون الخاص بإدارة المصارف العامة لإعطاء فرصة لهذه المصارف لمواءمة اوضاعها مع القانون الجديد, بحيث يتم دمج المصرف الصناعي مع كل من مصرفي التوفير والتسليف الشعبي مما يحقق مجموعة من المكاسب والميزات.‏

حيث من المتوقع أن ينتج الدمج مصرف شامل يقوم بكافة الاعمال المصرفية, ويقدم كافة انواع الخدمات والتسهيلات ولأكبر عدد ممكن من القطاعات لتلبية احتياجاتها كافة, وخاصة على صعيد الخدمات الالكترونية، كما يؤمن الدمج انتشارا جغرافيا واسعا قوامه 139 فرعا على مستوى القطر ما يحقق شمولا ماليا اوسع لمناطق كثيرة غير مغطاة مصرفيا بالشكل المطلوب, ويحقق الاستفادة القصوى من العقارات المملوكة من قبل المصارف المدمجة، ناهيك عن ناحية ارتفاع راس المال بحيث يصبح 30 مليار ليرة سورية بالحد الادنى, مما ينعكس على كفاية راس المال وقدرة المصرف على تحمل مخاطر اكبر وتحقيق عوائد اكبر وتقديم تسهيلات ائتمانية بشكل اوسع, وتمويل مشاريع كبيرة, ما يلبي احتياجات المرحلة المقبلة وتوجيهات الحكومة، إلى جانب زيادة قدرة المصرف الجديد على التوسع في التوظيفات ودخول السوق المصرفية بقدرة تنافسية كبيرة وبكفاءة عالية, ما ينعكس ايجابا على تخفيض تكاليف الاموال والقدرة على الاقراض بفوائد مخفضة مع زيادة في حجم الأموال المعدة للإقراض في المصرف الجديد.‏

عوائد المحفظة الائتمانية‏

دمج المصارف الثلاثة (الصناعي مع التوفير والتسليف الشعبي) سيحقق ارتفاع حجم الايداعات والسيولة والاموال الجاهزة (تبعاً لمقترح المصارف) ما يخفض من تكلفة الاموال ويزيد من قدرة المصرف الجديد على تقديم خدمات متنوعة بكفاءة وجودة عالية، لا سيما وأن شمولية العمل المصرفي والخدمات المقدمة ستجعل المحفظة الائتمانية اكثر تنوعا على صعيد التسهيلات والقطاعات والمناطق الجغرافية, وبالتالي اقل مخاطرة, ما يزيد من عوائد المحفظة الائتمانية باقل التكاليف, ومستويات مخاطرة منخفضة, وتوظيف هذه الربحية في تطوير المصرف الجديد, وتحسين ادائه ودعم خزينة الدولة وانعكاسه على الموارد البشرية العاملة في المصرف, من خلال وجود نظام حوافر ومكافآت ترفع من كفاءة العاملين وأدائهم وبالتالي سمعة جيدة للمصرف.‏

ناهيك عن انعكاس الدمج ايجابا على الكوادر البشرية العاملة في المصرف من خلال ترميم النقص الحاصل في بعض الاختصاصات وامكانية تبادل الخبرات, رغم قلتها اضافة الى امكانية التأهيل والتدريب, لرفع سوية ادائها والاستغناء عن الكوادر غير القابلة للتأهيل واستبدالها بكوادر اكثر كفاءة وفعالية وباختصاصات مطلوبة.‏

كما يحقق الدمج للمصرف الجديد على الجانب التقني الاستفادة القصوى من الموارد والأجهزة والمعدات التقنية المتوفرة من اجهزة حاسب وطابعات وفاكسات ومخدّمات وكاميرات وصرافات الية وسواها وتشغيلها بكفاءة عالية وبأقصى استفادة منها لتقديم الخدمات المصرفية المتنوعة وبأقل تكلفة وإتاحة الامكانيات المالية لتطوير البنية التقنية الموجودة بما يلبي تقديم خدمات الكترونية بجودة وسرعات عالية من خطوط ربط وشبكات واتصالات وبرمجيات وسيرفرات وسواها.‏

دور التبعيّة‏

رؤية المصارف العامة في دمج بعض منها ببعض خلصت إلى المسألة الإدارية المتمثّلة بتبعية المصارف معتبرة أن تبعيتها الإدارية ليست هي السبب فيما تعاني منه من مشكلات ومعوقات تعترض عملها وحسن تنفيذ مهامها.‏

حيث ان اعادة هيكلية هذه المصارف بما ينسجم مع مبادئ الحوكمة ومنح مجالس الادارات السلطات والصلاحيات واقرار التعليمات والانظمة الاساسية الخاصة بإدارة المصرف التي تمكنه من جذب الكوادر المؤهلة وذات الكفاءات العالية والتي تناسب طبيعة العمل المصرفي بحوافز ومكافآت تشجيعية من شأنها إصلاح ومعالجة هذه المشاكل.‏