(تل دامر) يحكي حضارة ما بين الزراعة إلى الصناعة

الأربعاء, أكتوبر 10, 2018 - 1:00pm

البوصلة

يقع "تل دامر"، وهو من المواقع الأثرية المشهورة، شمال مدينة "الرقة" بنحو /40/كم.

لموقع التل أهميت تاريخية، فهناك طريقان للتجارة الدولية، يمران بمدينة "الرقة"، ويحاذيان ضفتيْ وادي حوض "البليخ"، الأول يباري النهر من جهة الشرق والثاني يسايره من جهة الغرب، يستمر الأول من "الرقة" صعوداً باتجاه الشمال حتى أعالي النهر، ثم ينحرف شرقاً باتجاه "بلاد الرافدين"، ماراً بحواضر وعواصم قديمة.

أما الطريق الثانية فتبدأ من "الرقة"، بمحاذاة الطرف الغربي من وادي حوض "البليخ" باتجاه "سروج" في بلاد "الأناضول". وعند الكيلو أربعين شمال "الرقة"، يقع تل أثري يسميه أهل البلاد "تل دامر" واللفظة قد تكون كلمة تركية، ومعناها "تل الحديد"، ويقع هذا التل على مجرى نهر "البليخ"، إذ يقسمه النهر إلى قسمين، وتتراوح مساحة القسمين بحوالي/6/ هكتار، وكلا القسمين يقع ضمن الأراضي الزراعية، التي تروى بالراحة بواسطة طرق الري الحديث. ومن خلال الدراسة العلمية  تبين أنَّ هذا التل، قد يكون أحد المحطات التجارية والزراعية الهامة، الواقعة على طريق التجارة الدولية الشهير، القادم من سورية الداخلية باتجاه بلاد "الرافدين"، عبر مدينة "الرقة" ومدن أخرى، بعضها واقع على مجرى نهر "البليخ".

تشير الدلائل الأثرية المكتشفة إلى أن سكان "تل دامر" قد عملوا بالزراعة، لقربهم من مصادر المياه، وبالأخص نهر "البليخ"، الذي كان في يوم من الأيام مصدراً لرزقهم، وهذا يؤكده العثور على بقايا من القمح المتفحم، إضافة لكونه إحدى المحطات التجارية الهامة على طرق التجارة القديمة، وإلى جانب الزراعة، فإنَّ سكان "تل دامر" على ما يبدو، قد مارسوا بعض الصناعات التقليدية المحلية الضرورية، ضمن ورشات عمل قد تكون صغيرة، وقد تكون متوسطة الحجم، وهو ما يؤكده العثور على بقايا قطع الفخار والخزف المزجج

ووفقا  لتقرير البعثة : أكد وجود رماد منتشر بكثرة على سطح التل. وهذايدل على توضع أعمال صناعية في الموقع، ومن هذه الصناعات المفترضة، صناعة الفخار والخزف، الذي يتميز بألوانه الزاهية ولمعانه البراق وزخارفه الهندسية والنباتية البديعة، التي تدل على رقي في الذوق، وتطور في الشكل والصنعة. وليس مستبعداً أنَّ تكون مدينة "دامر" مركزاً آخر لصناعة الخزف "الرقي" في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، إلى جانب تل "شاهين" القريب من "دامر". وهناك أيضاً صناعة الجص وتسمى محلياً "المجصّات"، حيث تنتشر مقالعه، وهي عبارة عن تربة بيضاء ظاهرة على سطح الأرض، ولها عروق عميقة، وهذه التربة تحتاج إلى عملية حرق لشيها ونضجها كي تكون قابلة للاستعمال" بكثرة في منطقة "تل دامر"، ويميل في لونه إلى البياض الناصع، وقد اشتهرت صناعته في العصر العباسي، واستعمله العرب المسلمون في صقل بيوتهم، كونه يعكس البرودة صيفاً والحرارة شتاءً. وليس بعيداً أيضاً أنَّ سكان "دامر" قد مارسوا العمل التجاري أيضاً.

وعلى  امتداد شرق - غرب وجد سور عريض مبني من مادة اللبن المجفف على أشعة الشمس، مقاس /30×30/سم للبنة الواحدة، وعرض هذا الجدار /2،5/م، وهو بحالة جيدة باستثناء بعض النقاط.

ومع امتداد الحفر باتجاه الشرق، تم الكشف عن برج نصف دائري، يتوضع على جسم السور، ومزود بدرجات عدّة، تستخدم في عملية الصعود إلى أعلى السور، وحسب التقرير الأثري، فإن أعلى نقطة في ارتفاع السور/2،5/م، وهو مدهون بمادة الجص الأبيض الذي يصنَّع محلياً. 

في مكان آخر تبين أنَّ هذه المنطقة، تحتوي على مجموعة من الأفران لصناعة الخزف والفخار الرقي، حيث تم العثور على كميات من بقايا الطين المحروق "Slag"، كما عثر المنقبون على بعض القطع النقدية من الفترة البيزنطية.

أما في الجانب الغربي من النهرفقد عُثر على جزء من جدار ضخم تابع لمسكن مبني من مادة اللبن المجفف، ويحتوي على عدة غرف وباحات، وقد تبيّن ان هذا الجدار الضخم تبين أنّ هذا الجدار هو السور الخارجي للمبنى المذكور، ولهذا السور امتداد من الشرق إلى الغرب وسماكته /3/م، وفي أماكن أخرى أكثر من ثلاثة أمتار، وهذا السور مشيَّد من مادة اللبن غير المحروق، مقاس اللبنة الواحدة /30×40/سم.

وايضا تم العثور على الفخار المزجج، ونقود، وملقط ومسلات، برونزية. وتدل هذه الاكتشافات أنّ أهالي "دامر" برعوا بصناعة الفخار الذي يمتاز بألوانه الجميلة البراقة وزخرفته البديعة التي تدل على رقي هذه الصناعة.