أيها السادة

أيام الزمن الجميل يوم كان الحدث الوطني عيدا لايعادله عيد، ويعتلي الخطباء المنابر، وباستهلال يتررد صداه عبر مكبرات الصوت: أيتها السيدات، أيها السادة..

يسود الصمت وتحبس الأنفاس، والجميع عيون شاخصة، وآذان تتلقف ما يقال، منذ تلك الأيام شدتني هذه العبارة، ولكنها فقدت سحرها فيما بعد، إذ تحولت من خطاب المجموع إلى خطاب السادة المسؤولين من الشعب، فلم تعد العيون شاخصة، ولا الآذان تصغي، بل حبر على ورق، وصرخة في واد سحيق الهوة، بل إن بعض السادة منهم يردد: دعه يحك، لعل صوته يبح ونرتاح منه..ويمضي كلام (علاك).‏

نعم.. أيها السادة هذه حال المشهد اليوم، وما وصلنا إليه ليس إلا نتيجة حتمية لما تردد صداه بين السماء والأرض، لكن آذان وعيون السادة المسؤولين كانت عنه بواد سحيق، لا، بل دفعته عمدا إليه، والحال مازالت مستمرة، ربما إلى أن نكون أمام الطامة الكبرى، ولكننا سوف نصرخ بملء القلب والعين والصوت وكل شيء، أيها السادة، أيتها السيدات، والسيدات أولا، وأولا، وثانيا وثالثا، وبألف احتمال، كلها بهية، جميلة إلا ما يتعلق بمخصيي العقول.‏

أيها السادة: لسنا بوضع يسمح لنا بالتجريب والتخريب، وتكبير ونفخ البوالين، جربتم ذلك سابقا، وانتفخت حتى تشظت ليس بوجوهكم فقط، بل بوجه الوطن، كله ظنت بعض الزارزير أنها صارت شواهين، هل نذكركم بخياراتكم التي أرهقتمونا بها، ودافعتم عنها؟‏

هل تريدون أن نذكركم، أعتقد أنكم تذكرون، ولكن الآن والمزيف يحل مكان الأصيل عليكم أن تعرفوا أن التجريب ثانية كارثي، المشهد لايحتمل مرات ومرات، النزوات لكم أما الخراب القبيح فعلينا، نحن بحاجة لرؤى حقيقية وواضحة، وسلّم حقيقي، إسرائيل سوف تطلق أقمارا صناعية لبث الدراما العربية، اشترت الذاكرة الفنية والثقافية من محطات ومن مواقع، والقادم كما تنبيء المعطيات كارثي، يحتاج عملا صادقا فاعلا، يضع أسسا متينة لواقع نحتاجه، لدينا ما نبني عليه، لدينا قامات فنية وثقافية وفكرية، قدمت وأبدعت ولديها ما تقدمه، الميدان يتسع للجميع، لكن ليس على مبدأ أن هذا لي وذاك لك.‏

على مبدأ أن الوطن كما تقول كوليت الخوري، فوق الجميع، معركتنا ثقافية وفكرية، وإعلامية يجب ألا تتوقف لحظة هنا، أو هناك، تعروها وتصيبها الشوائب، هذا أمر هين وطبيعي وعادي وعابر، ولكن أن يكون فعلا مستمرا، يعني ببساطة أنه لا أحد يريد منا ولنا أكثر مما نحن فيه، منذ عقود ونحن نحذر مما آل إليه حالنا .. ثمة من يريد أن يملأ الفراغ الذي جعلناه نافذة يتسلل منها من يتربص، والجواب دائما جاهز: نحن نعرف.‏

طيب، تعرفون، لكن ماذا فعلتم، بل ما أنتم فاعلون الآن، ما الخطط والرؤى والاستراتيجيات التي يجب أن تكون موضع النقاش والتفاعل في خطط بناء الإنسان السوري ؟ لماذا نطرح عناوين طنانة رنانة، ثم نمضي قفزا إلى غيرها؟‏

نستهلكها إعلاميا، ونملأ صفحات التواصل الاجتماعي بفعل ورد فعل، وبعد مرور وقت قصير، تصدأ ونبحث عن موضوعات أخرى، لعلها تضعنا تحت الأضواء الباهرة لبرهة، نحترق ونصبح هبابا.‏

أيها السادة، أيتها السيدات: بعض الالتفات إلى العلوم والرؤى الإنسانية باختصار: استراتيجية بناء الإنسان بعد نقاش وتشاركية، لا أن تأتينا مغلفة من بعض الاجتماعات المغلقة وبأمر: تفضلوا، هذه خطتنا...؟‏

ديب علي حسن