خطة أميركا من العراق الى سورية الى الفشل

رفضاً للهزيمة الاستراتيجية التي تُكتب سطورها الأخيرة الآن وبشكل خاص في الميدان العراقي السوري، أقدمت أميركا على خطة مركبة من شأنها في حال نجاحها أن تعالج آثار الهزيمة وتمنع المنتصر من استثمار إنجازاته في كل من الدولتين. خطة موضوعها في العراق التحكم بتشكيل الحكومة ومجالها في سورية بشكل خاص التحكم بمنطقة إدلب ومنع تحريرها لمنع سورية من الانصراف الى العمل السياسي الذي يرسي الأمن والسلام الشامل في كامل البلاد ويؤمن خروج أي محتلّ، بما في ذلك المحتل الأميركي والتركي.

لقد ركزت أميركا في مواجهة ما آلت إليه سياستها العدوانية على المنطقة من فشل، بشكل خاص على سورية والعراق، لأنها اعتبرت ان العودة الفاعلة الى العراق من شأنها أن تقطع تواصل محور المقاومة من شرقه الى غربه، كما وتمكن من امتلاك السيطرة على احتياط نفطي عالمي طالما حلم الغرب بالقبض عليه. اما في سورية فقد نظرت أميركا الى استمرار الحرب فيها وفقاً لما تسميه «إطالة أمد الصراع « فرصة ثمينة هي بأمس الحاجة اليها لتمرير واستكمال تنفيذ ما أسمته «صفقة القرن» الهادفة الى تصفية القضية الفلسطينية وادخال «إسرائيل» في نهائية الوجود وفعالية الدور والتأثير في كامل المنطقة العربية بدءاً من الخليج.

في العراق وجدت أميركا المدخل الملائم من باب تشكيل الحكومة بعد الانتخابات النيابية، حيث رأت أن نتائج هذه الانتخابات تمكنها من التدخل وتحقيق السيطرة عبر الحكومة، طالما أن تشكيل الكتلة التي تأتي برئيس الوزراء خاضع للأخذ والرد، إذ أن جمع 165 نائباً لتكوين الكتلة الأكبر يقتضي اتفاق 5 كتل كبرى على الأقل من الكتل التي حازت على الحجم الأكبر في الانتخابات، والذي لا يتعدى لأفضلها الـ 54 نائباً ويتدنى عند بعضها الى 14 نائباً. وهنا كان المجال المفتوح أمام أميركا التي عيّنت مبعوثاً للعراق مهمته الأولى تشكيل الكتلة الأكبر المناهضة لمحور المقاومة والموالية لكل من السعودية وأميركا لتنفذ السياسة التي رسمتها الأخيرة للعراق وتؤمن استعماراً مقنعاً يتجلّى بمراجعة اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق وأميركا والتي رفض فيها نور المالكي يومها منح أميركا أيّ مكسب يمسّ بسيادة العراق واستقلاله وحقه الحصري بالسيطرة على سمائه وثرواته، خاصة النفطية.

هنا وجدت أميركا في حيدر العبادي رئيس الحكومة الحالي ضالتها المنشودة بعد أن جاهر بمناهضة إيران وأبدى استعداده لتلبية مطالب أميركا والسعودية، فعملت على تحشيد القوى اللازمة له ليعود الى الحكم في ولاية جديدة رئيساً لوزراء العراق الذي يُعتبر هو الحاكم الفعلي ذو الصلاحية الواسعة في السياسة والإدارة والجيش حتى والقضاء. وتوصلت في الأسابيع الأخيرة الى تركيب كتلة تؤيّد العبادي كادت أن تلامس الـ 150 نائباً، لكن بقيت الكتلة بحاجة الى أصوات ترتقي بها الى 165، لكن بقيت الحاجة قائمة لمنع من يؤمنون بحسن العلاقة والجوار مع إيران وسورية ومحور المقاومة عامة من المنافسة.

ولأجل تحقيق الغرض عمل المبعوث الأميركي الى العراق ماكغورك على ثلاثة خطوط الأول باتجاه رؤساء الكتل، مهما كان حجمها لطلب دعمها، والثاني باتجاه النواب لتحذيرهم من تأييد كتلة فيها الحشد الشعبي «الواجب الحل»، حسب تعبيره ، والخط الثالث في الميدان والشارع لإظهار «حجم الرفض الشعبي» لما اسماه «النفوذ الإيراني في العراق «. وكانت أحداث البصرة التي انطلقت لأسباب خدمية تتصل بالماء والكهرباء ثم تحوّلت موجة عنف ضد إيران وضد القوى التي تتمسّك بحسن العلاقات معها. كانت هذه الأحداث بمثابة الفضيحة لكل الخطة الأميركية التي انتهت الى نتائج معاكسة لما أراده مبعوثها ماكغورك. وفي هذا الإطار ننوّه بما قامت به المرجعية الدينية لجهة تأمين محطات المياه لمدينة البصرة وسحب فتيل الفوضى أمنتها على نفقتها الخاصة وهي المحطات التي امتنع العبادي عبر حكومته من توفيرها طيلة مدة حكمه، وكانت سبباً مباشراً في اندلاع الاحتجاجات واستشراء الفوضى في المدينة التي أدّت الى إحراق مراكز ذات رمزية ودلالة على علاقة إيران والعراق ومنها القنصلية الإيرانية في البصرة.

لقد شاءت أميركا من إحراق القنصلية الإيرانية في البصرة، ومعها مراكز الحشد الشعبي والقوى المؤيدة لإيران، إظهار الرفض الشعبي للوجود والدور الإيراني في العراق والإجهاز على أي أمل لإيجاد شخصية منافسة للعبادي او مؤيدة لمحور المقاومة، لكن النتيجة جاءت وبعد ان افتضح الامر المكيدة، لتطيح تقريباً بحظوظ العبادي للعودة الى الحكم، وتكاد تقطع الطريق على أي شخصية بديلة تكون موالية لأميركا والسعودية. وبالتالي تكون الخطة الأميركية فشلت حتى الآن في إعادة تمكين قبضتها على السلطة في العراق وهيأت الظروف لتشكيل حكومة يؤمل أن تكون قادرة على حماية مكتسبات العراق في السيادة والاستقلال والثروة والدور الإقليمي الاستراتيجي الذي يتناغم مع محور المقاومة.

اما في سورية فقد حاولت أميركا ولا زالت تحاول منع سورية من إطلاق عملية تحرير إدلب لتطهيرها من الإرهاب، والانتقال بعدها لمعالجة الملف الميداني الأخير المتمثل بشرق الفرات، وما فيه من قواعد عسكرية أميركية تعدت الـ 13 قاعدة وتجاوز العسكريون الأميركيون فيها الـ 9 آلاف بعد عمليات التعزيز الأخيرة التي تمت في التنف.

لقد بنت أميركا خطتها لمنع إطلاق عملية تحرير إدلب على خطوط ثلاثة أيضاً: أولها التهويل والتهديد بالتدخل العسكري إذا دخلت سورية بجيشها وحلفائها الى إدلب. تهديد مرفق بطلب الامتناع عن العملية العسكرية وتفعيل مناطق خفض التصعيد بمهل مفتوحة. وقد استثمرت هنا الدور التركي السلبي في قمة طهران الذي سعى الى هذه هدنة ورفض العمل العسكري، والثاني القيام باستعراضات وتعزيزات عسكرية وتحشيد القوى والتهويل بجهوزية 220 صاروخ توماهوك لقصف أهداف واسعة في سورية رداً على «استعمال محتمل للأسلحة الكيماوية»، كما تدّعي زوراً وتلفيقاً الدوائر الأميركية والغربية، وأخيراً المناورات العسكرية التي أجريت في التنف وسواها للإيحاء بجهوزية عسكرية أميركية عالية للتدخل العسكري المباشر مرفقة بتسريب من البيت الأبيض بأن ترامب يدرس جدياً توجيه ضربة للقوات الروسية في سورية.

ولكن ومرة أخرى نرى فشلاً في المسعى الأميركي، حيث رفضت الهدنة واستبعد تأجيل معركة إدلب، التي بات إطلاقها قاب قوسين أو أدنى لا بل إن بعض أعمالها التمهيدية بدأ فعلاً من خلال القصف الانتقائي التدميري الواسع الذي تنفذه القوات الجوية الروسية والسورية منذ يومين ضد مراكز الإرهابيين مع تحييد تام للمدنيين. أما الرد على الخط الثاني فقد كان من قبل روسيا بشكل أساس من خلال عمليات التحشيد البحري الواسعة التي أجرتها في المتوسط لقواتها التي حشدت فيها قطعاً بحرية خاصة ومحترفة بالاستطلاع والتعقب لتعطيل فعالية التوماهوك، ثم القيام بمناورات هي الأضخم خلال السنوات الـ 40 الماضية. وعلى الخط الثالث فإن أميركا تعلم أن أحداً لا يأخذ على محمل الجد قراراً أميركياً بمواجهة برية بين الأميركيين وخصومهم على الأرض السورية، حيث إن هذه المواجهة لن تكون لمصلحة أميركا على كل الصعد.

وفي خلاصة القول نرى أن أميركا التي منّت النفس بالقبض على العراق من خلال القبض على حكومته، هي على عتبة الفشل في تحقيق أمنيتها، وان أميركا لن تقدر على منع سورية من استكمال تحرير ارتهان الإرهاب مهما هدّدت وهولت، وإن ما قالت به مؤخراً من أنها لن تسمح لسورية وحلفائها إيران وحزب الله دخول إدلب، فأميركا تعلم قبل سواها أنه غير قابل للتطبيق. فسورية هي صاحبة السيادة على أرضها وأميركا هي التي عليها أن تخرج منها وإن لم تفعل اختياراً فستجبر على الخروج قسراً، كما ستخرج من العراق ليرسم العراق وسورية مشهداً سياسياً وميدانياً لا يكون فيه للأميركي نصيب.