رسائل سورية مسبقة..

لم تعد الذاكرة وحدها التي تاقت إلى معرض دمشق وأيامه، والتفاصيل المزروعة في الوجدان على مدى السنوات التي خلت، بل أيضاً كانت إرادة السوريين تسجل حضورها في التحدي والتي فاضت على اللائحة الطويلة الممتدة عبر السنوات،

 

حيث استعادت بعضها قبل عام ونيف مضى، حين كان السوريون أقوى من كل التحديات والمخاطر والصعاب.. وتجولوا في معرض دمشق الدولي في صور تحاكي لوحة الوطن، وفي رسالة كانت خير شاهد على أن إنجازاتهم التي تتحقق كل يوم، لا بد أن توصلهم إلى حيث كانت إرادتهم الصامدة تزرع اليقين السوري.‏

فالمسألة بالنسبة للسوريين تتجاوز حدود التظاهرة الاقتصادية التي اعتادت المعارض على تشكيلها، كما تخطت الأبعاد السياسية على ما فيها من أهمية، لتتقاطع مع بعدها الإنساني الذي يتجسد على أرض الواقع، فالارتباط هنا ليس عضوياً فحسب، بل يشكل بوابة للولوج إلى السياقات الأكثر عمقاً، بدءاً من المشهد الاقتصادي وتراتبية أولوياته، وليس انتهاء بمفرزات التداعيات المرافقة، مروراً بالتحدي الأساسي في إعادة الإعمار التي بدت واعدة ومبشرة، وتتشابه في سياقاتها مع الإرادة والعزيمة والإصرار على تجاوز المحنة وتداعياتها لتحقيق الانتصار في الحرب الظالمة المفروضة ومعادلاتها، ومواجهة الاستهدافات العدوانية وأدواتها الوكيلة منها والأصيلة.‏

الفارق الحقيقي أن المشهد يُملي المقارنة، والاختلاف يُضفي أبعاداً ومعطيات تتجاوز الحيز الزماني والمكاني، وتختصر الكثير من المسافات بين النصر وإعلانه، وبين لحظة الحقيقة وما يسبقها من مخاضات كانت الطريق إلى ترسيم الإحداثيات التي تزهو ببعدها الجماهيري، الذي كان نقطة الانعطاف الحقيقية والقيمة المضافة التي تشكلت في لحظات الحنين إلى معرض دمشق الدولي، حيث يتشارك السوريون المشاهد ذاتها والانفعالات عينها، والقرائن نفسها، على أن الفرق تصنعه الإرادة الإنسانية ،قبل أن تتشكل ملامحه الاقتصادية على أهميتها ودورها.‏

دمشق .. أنهت تحضيراتها لإطلاق معرضها الدولي الستين، في تظاهرة وطنية تتزاحم فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأهم الإنسانية، وتسجل في دفاتر الوطن سطورها الأولى التي تخط فيها أبجدية حروف أنتجتها إنجازات الجيش العربي السوري في ملحمة وطنية لا يمكن تجاوز مفرداتها، ولا القفز فوق الحقائق التي رسختها في سنوات المواجهة.‏

الرسائل التي ترسمها فعاليات الافتتاح المنتظرة اليوم وما يليه، تتعدد فيها الخطوط والخطوات، وتتنوع السياقات الناظمة للمشهد الوطني الذي يريد أن ينجز مهماته بالإتقان السوري لتفاصيل الحياة وعوامل الصمود التي رسمت على لوحات الوطن العناوين الكبرى، ليكون التوقيت سورياً صرفاً والإيقاع سورياً بامتياز، حيث التحدي الذي يَمثِلُ يحاول مجاراة التحدي العسكري في مفازاته، ويرسم بتقاطعاته المختلفة ملامح المرحلة المقبلة، ليشكل في جوهره اختباراً أولياً متوازياً لجبهات العمل التي تتشارك في تجسيد إرادة السوريين، كما تشاركت في خط الرسائل السورية المسبقة.‏