معارك المفاوضات

التصعيد الأميركي- الغربي الأخير قبيل معركة إدلب الحاسمة يبدو أن له ما يسوغه لدى أطراف محور العدوان الذين بدؤوا يدركون أن دمشق وحلفاءها مصممون على إنهاء وجود آخر التنظيمات الإرهابية على الأرض السورية، وخاصة مع تتالي التصريحات السورية التي تؤكد أن مسألة إنهاء وجود الإرهابيين في سورية هي مسألة وقت، وأن القرار قد اتخذ على مستوى الحلفاء بهذا الشأن، ومن ثم فإن المحور الداعم للإرهاب يريد المناورة، واستثمار أحد آخر الأوراق الوهابية- الإخوانية في التفاوض، وجني المكاسب إن تمكن من ذلك لأن خسارة ورقة إدلب قبل تثبيت بعض المكاسب سلفاً سيعني أن إمكانية فرض شروط معينة على الدولة السورية سيصبح صعباً للغاية.
ما سربته صحيفة الأخبار اللبنانية عن لقاء سوري- أميركي استخباراتي تم في دمشق خلال الأسبوع الأول من حزيران الماضي قد يؤشر إلى تلك المفاوضات، وما يريده الأميركان من ورقة انسحابهم من سورية، إذ كشفت (الأخبار) أن واشنطن ركزت على ثلاثة ملفات:
الأول: موضوع العلاقة مع طهران، وانسحاب المقاتلين الإيرانيين ومقاتلي حزب الله من سورية.
الثاني: ملف الجماعات الإرهابية (الأجانب منهم) الذين يمكن أن يشكلوا خطراً على الدول الغربية.
الثالث: ملف الطاقة- إذ تريد واشنطن حصة في النفط والغاز في سورية.
وبالمقابل فإن دمشق التي يتزاحم على أبواب مؤسستها الاستخباراتية عشرات الطلبات التي تريد التنسيق، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب الذي صنعته هذه الأجهزة الغربية بنفسها خلال حربها الفاشية على سورية، ليست مستعجلة في هذا المجال، إذ إنها أكدت وعبر أكثر من مصدر مسؤول أنه لا تعاون في هذا المجال قبل عودة التعاون السياسي وتطبيع العلاقات، وزادت على ذلك مطلباً جديداً وهو رفع العقوبات غير القانونية المفروضة على سورية وشعبها…. وغير ذلك فإن هذه الدول عليها دفع ثمن سياساتها الحمقاء طيلة السنوات السبع الماضية، والتي ارتكبت فيها أخطاء فادحة، وجرائم موصوفة بحق سورية وشعبها، وبحق شعوبها ودولها، عندما سارت خلف تصورات وسيناريوهات مجمعات النفط والغاز في الخليج، واقتنعت بأن هؤلاء يمكن أن يحققوا لها نتائج بالمال والإرهاب.
أما موضوع العلاقة بين دمشق وطهران فهذا أمر غير قابل للنقاش لأن العلاقة بين البلدين هي علاقة تحالف إستراتيجي يعود لعقود طويلة، وكانت له نتائج مثمرة على صعيد المنطقة، وتم تأكيد الرد السوري، والموقف الواضح بهذا الشأن خلال زيارة وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي مؤخراً إلى دمشق، وتوقيع اتفاق تعاون دفاعي جديد بين البلدين، ومن جانب آخر فإن هذا المطلب ليس وقحاً فقط، وإنما خارج على الأصول في العلاقة الدولية، إذ إن أحداً لم يطلب من السعودية مثلاً إغلاق القواعد الأميركية، ووقف التعاون العضوي الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة كشرط لأي حوار، أو تطبيع للعلاقات، ولم يطالب أحد الإمارات العربية الطلب ذاته، ولم يقل أحد لقطر مثلاً كي تغلق القواعد الأميركية التي تنطلق منها صواريخ العدوان وتُذخّر فيها الطائرات والبوارج الأميركية للاعتداء على دول عربية مثل (سورية) أو (اليمن)، ومن ثم فإن هذا المطلب ليس فقط مرفوضاً، ولكنه مطلب لا يتفق مع قواعد القانون الدولي أيضاً.
موضوع إعادة الإعمار أوضحته دمشق أكثر من مرة على لسان الرئيس بشار الأسد أنه لا يمكن لمن شارك في تدمير سورية أن يمد يده لإعادة البناء فيها، ولذلك فإن الأولوية هي للدول الصديقة والحليفة (روسيا، إيران، الصين) وللدول التي وقفت مواقف إيجابية تجاه سورية وشعبها (الهند مثلاً)، ودول آسيوية وأميركية لاتينية، وكثير غيرها… وإذا كانت مواقف بعض الدول الأوروبية ليست متساوية في جم العداء والعدوان على سورية، فإن البوابة المتاحة لهم هي من خلال الحلفاء أيضاً…. ولا شك أن فرنسا وبريطانيا اللتين تزايدان أحياناً على الولايات المتحدة في العداء لسورية تريدان من واشنطن ألا تنساهما خلال المفاوضات، ولهذا يبدي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استعداده للمشاركة في العدوان على سورية معتقداً أن ذلك سوف يحسن وضعه كتابع للولايات المتحدة، بدلاً من أن يلجأ لتحسين سلوكه وتغيير سياساته الحمقاء التي أوصلته إلى أبواب دمشق المغلقة خاوي الوفاض، وقد خسر جلّ مصالح فرنسا في هذه المنطقة الحساسة.
إن ما نشهده في هذه الأيام من تصعيد شرس وتكرار لسيناريوهات متشابهة بدءاً من (شرق حلب-الغوطة الشرقية- الجنوب السوري) والآن إدلب، هو محاولات أميركية غربية لتحسين شروط التفاوض والحصول على المكاسب تحت الضغط والنار، معتقدين أن ما لم يحصلوا عليه في ظروف أسوأ في عام 2013 أو2014 أو2015، سوف يحصلون عليه الآن، وسورية في طريقها لانتصار تاريخي مع حلفائها على الفاشية الجديدة (النازية الوهابية-الإخوانية) التي استخدمتها الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية لإعادة السيطرة والهيمنة، وتثبيت معادلة الأحادية القطبية التي ستخرج خاسرة من بوابات دمشق، ليولد نظام دولي جديد سوف تتضح معالمه خلال السنوات القادمة، ومؤشراته تبدو واضحة ومعلنة وراسخة على الأرض بالدبلوماسية والعسكر.
نحن أمام المراحل الأخيرة من الحرب على سورية، ولذلك تشتد معارك المفاوضات والمساومات، والضغوطات قبل إسدال الستار على أقذر حرب تعرض لها بلد وشعب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى أن الاعتقاد السائد أن نهاية الحرب على سورية سوف تنعكس على ملفات آخرى كالملف اليمني، لأن مفتاح رسم الخرائط الجديدة هو من سورية، التي تدرك حجمها، ودورها السياسي الذي سيعود أكثر قوة وتأثيراً في المنطقة، إضافة إلى وزنها النوعي التاريخي حسب توصيف الرئيس الأسد في أحد لقاءاته وهو وزن لا يرتبط بالمساحة والسكان، وإنما بالبعد الحضاري الذي تمتلكه بلادنا… وهذا الوزن سيزداد حكماً بعد أن ينتصر الشعب العربي السوري وجيشه وقائده وحلفاؤه في ما أسماه سماحة السيد حسن نصر الله حرب تموز الكبرى…. والنتائج المهمة لهذا الانتصار لن نراها مباشرة، ولكنها ستظهر تباعاً وبشكل واضح وجلي وخاصة أن معارك المفاوضات ومساراتها السياسية والدبلوماسية تترافق مع المعارك العسكرية الشرسة التي سنشهدها في أيلول القادم.
أما الواهمون في شمال شرق سورية فهؤلاء بهذا النمط، والممارسة الحمقاء التي يقومون بها يومياً ضد المواطنين السوريين، فسوف يدفعون ثمنها غالياً في وقت لاحق.
وإن اللبيب من الإشارة يفهم … وأقول اللبيب!