نقد ونقّاد

يروى انه ذات يوم زار اديب عالمي زميلا له في الوطن العربي، ومن باب الاطلاع خطر على بال الضيف ان يسأل مضيفه عن ملاعب طفولته، اين هي، وما الالعاب التي كان يمارسها حين كان طفلا، فابتسم المضيف، ولبى رغبة الضيف، امسك بيده، ومشيا معا، وفجأة توقفا عند منطقة مسورة، فتح المضيف الباب وامسك بيد ضيفه، وهمس بأذنه: لاتخف، هنا كانت طفولتي، هنا في هذه المقبرة لعبنا وكبرنا، وهنا عرفنا ان شمس الاحياء لاتدفء الموتى، كما ان الموتى يجب الا يبقوا ابد العمر يحكمون مسيرة الاحياء.‏

تذكرت ذلك وأنا اقرأ اخبارا عن ندوة نقدية عقدت في مكان انيق وجميل، شارك فيها نقاد لم تلفحهم حر الشمس، واظن انهم, لم يعرفوا بعد ان ثمة حربا عدوانية على سورية تشن، وان حبرا كثيرا، وتجارب ادبية قد اخذت منحى جديدا، في هذه المرحلة، واذا لم يكن الامر كذلك فعلى الاقل ان ثمة نقدا ادبيا وثقافيا وفكريا يجب ان يبحث فيما نتج، وفي التحولات التي طرأت على المشهد الابداعي في سورية على الاقل، ان كانوا يرصدونه.‏

لم يسمع هؤلاء ابدا بأي شيء مما يجري في البلد، فيء وماء وظلال، ولم يبق امامهم، الا فتح سيرة ابي العلاء المعري واعادة المكرور، لكن هذه المرة تحت شعارات القراءات الجديدة بمناهج غربية مستوردة، والى ما في الجعبة من مصطلحات, فلربما يطلع علينا ناقد ما وقريبا، يقرأ المتنبي حسب منهج البث الفضائي لمحطة ال...‏

مر على ابي العلاء قرون، وتهدم قبره، وفعل البعض من احفاده حيث دفن، مالا يفعله الشيطان بأحد، فعلوا ذلك لانهم ابناء الموت ابناء الماضي، ولم يحسن فكرنا وثقافتنا ان تجعلهم ابناء الحياة، والمفارقة الاشد قسوة ان ادباءنا ونقادنا مشغولون بقراءة الماضي بالف اسلوب واسلوب.‏

النقاد تائهون في عبق حسناوات ليس لهن من الابداع نصيب الا ما لابليس من امل بالجنة, بعضهم فصّل نصوصا نقدية جاهزة لهذه وتلك، فقط يبدل الشواهد الشعرية، وآخرون منهم ينتظرون ترجمةاي مصطلح اجنبي ليسارعوا الى تفصيله على مقياس من رحل، ولتعقد الندوات، وكتاب وشعراء بعضهم يهيم في ملكوت الهباء لايقدم، ولايؤخر، وبين الحياة والغد ثغرة، لايقترب منها احد، نقاد يهابون الواقع الادبي الحقيقي، لاحد امرين: عجز عن المتابعة، او جبن وفرار الى الماضي، وكتاب لائذون بالصمت المريب، والخلاصة اننا نشكو ونشكو اننا لا ننتج ادبا، ولافكرا، ولاثقافة، وابناؤنا واجيالنا ضائعة، وبعد هذا هل لنا ان نسأل: كيف لموتى احياء ان يتركوا اثرا، وهم منكبون على المقابر يعيدون النبش هنا وهناك، كمن يحدث جائعا متضورا عن ملذات الطعام، وامامه مائدة عامرة، لكنها مجرد سراب للجائع.‏

كما ان شمس الاحياء لا تدفء الموتى، نتمنى الا يبقى الاموات يرسمون دروبنا، لانها لن تقودنا ان تركنا معارج الحياة الا الى حيث هم، وربما نحن الامة الوحيدة التي يسيرها الاموات ولو من الاف السنين رحلوا، لسنا ابناء الماضي كله، ولسنا بحاجة ان نجرب كل عقار نقدي على تجارب استهلكت من كثرة ما جربتم عليها وبها، لنكن ابناء الحياة، ام اننا نؤسس لما بعد رحيلنا ويجرب بنا، وحينها نكون قادرين على التاثير، واقترح عليكم عقد ندوة جديدة تحت عنوان اثر الموز في شعر ابن الرومي، لاسيما انه كان محبا له، وقد ارتفعت اسعاره الان، هل تستعدون ؟‏

ديب علي حسن