تــاء التـأنـيـث

تتداخل المفردات .. تعانق بعضها بعضاً ..تضيع المعاني .. وتختلط الأزمنة .. فيغدو المكان بلا حدود.. ويعلن التاريخ والجغرافيا توأما الحياة انفصالهما المؤقت ... حيث لا اتفاق ولا اختلاف بل مد وجزر ... فعندما تكون المرأة هي العنوان تغيم الأفكار .. وتتساقط عطراً.. فمنذ الأزل شغلت قضية التأنيث الفكر البشري وقبل عشتار وبعدها كانت المرأة سراً إلهياً عجزت عقول البشر عن فك رموزه ... وكلما اقتربت أكثر من حل هذه الشفرة الإلهية ازدادت غموضاً .. فروح القدس التي حملتها القديسة مريم يوم هزت جزع النخلة وتساقط عليها رطباً جنيا ما زال إلى اليوم وإلى نهاية الأيام يحمل في طياته بقية من أسرار ... وذلك الرطب الجني سيبقى هبة سماوية وإعجازاً يسجل للأنوثة والتأنيث لا ينازعها فيه منازع . لا أريد أن أغوص عميقاً في هذا اليم الممتد إلى ما لا نهاية ... وإنما ...أردت أن ألقي بعض الضوء على زوايا يتداخل فيها الزمان والمكان والتاريخ والجغرافيا والشعر والرواية والجديد والموروث . تقول كتب التاريخ أن الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق ... وصاحب إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها .. قاهر الرجال ... وموطد الأركان .. الذي ذاع صيته في كل مكان ... لم يعرف الذلة والهوان .. إلا على يد ثلاثة نساء ... أولهن سكينة بنت الحسين ... التي قالت له عندما جاءها خاطباً ... والله أن ملكك وملك من ولاك .. لا يملأ حدقة عيني ... وثانيهما ليلى بنت الملهب التي أجبرته على تطليقها ولما طلقها ...تزوجها الخليفة من بعده .. فأرسلت إليه : الحمد لله الذي أبدل فلسنا بدينار ... وثالثهن غزالة الحرورية التي دعته لمواجهتها فولى عنها ... فأخطأه سيفها ولم يخطئه لسان من هجاه ... هلا برزت إلى غزالة في الضحى أم كان قلبك في جناحي طائر و إن كانت الأنثى فيما مضى حاضرة بسفها ولسانها وجنانها ... فإن التأنيث الأكثر حضوراً في عصرنا الراهن هو الأكثر رمزية وغياباً و أقصد المرأة في تجلياتها أفكاراً لم تكتسِ جسداً ولم تسرِ الدماء في عروقها يوماً . إنها تلك القابضة على لحظة الإلهام ... تلك التي تحيا في عقوال الشعراء والفنانين والنحاتين .. والمتصوفة ... والتائهين على أرصفة الحزن ... والثوار ... والمجانين تلك التي سكنت في خفايا روح سعيد عقل ... فكانت نشوة الفكرة قبل الخلق قبل ماكونتِ في أشواقنا سكرت مما سيعروها الفكر قالتا ننظر فحلولى الندى واستراح الظل و النور انهمر والتي راود نعاسها ... أشجان أبي سلمى فكان عبد نعاس عينيها ... وهي رئة محمود درويش الأخرى ... وغابتا نخيل السياب .. وقارئة فنجان القباني .. وغموض ابتسامة الموناليزا ... ووجع الأزاميل التي أبدعت أفروديت ... وأنين ناي جبران ... بين تاء التأنيث بكل غموضها وامرأة تغادر الأربعين بكامل مشمشها ... فكرة من روح وجسد ... تناولها الذاكرة جيل بعد جيل ... وقالت فيها ما ملأ الخافقين ولكن يبقى هناك دائماً كلمات لم تقال بعد وربما لن تقال ... أبداً .

غالب سليطين

غالب سليطين