روح التحدي وثقافة الأمل

لا يمكن أن تتحدد أو تختصر أهداف الحروب التي شهدها ويشهدها العالم في تحقيق انتصارات عسكرية فقط ومنها الحروب التي شنت على العرب وأقربها ما شهدته سورية وليبيا والعراق واليمن

 

فثمة أهداف أخرى لا تقل أهمية عن الهدف العسكري وفي مقدمتها وعلى رأسها تحقيق هزيمة معنوية ونفسية عند الخصوم وكذلك إلحاق هزيمة بمشاريع أو طموحات وطنية أو قومية تسعى وتعمل من أجل تحقيقها تلك الشعوب وقياداتها وهنا تستخضر ذاكراتنا الجمعية أهداف عدوان حزيران عام ١٩٦٧ والذي استهدف سورية ومصر وكان على رأس أهدافه إلى جانب التوسع وتحقيق المشروع الصهيوني إسقاط وهزيمة المشروع القومي والتحرري الذي حملته سورية ومصر وضرب الحامل التاريخي لفكرة العروبة إضافة إلى إدخال العرب في حالة اليأس والهزيمة الافتراضية والاستسلام النفسي للعدو ولكن ما حصل كان عكس ذلك تماماً حيث عادت الروح للجماهير العربية والدعوة للثأر من العدو فكانت لاءات الخرطوم الثلاثة ثم حرب الاستنزاف على الجبهتين السورية والمصرية وصولاً لحرب تشرين التحريرية عام ١٩٧٣.‏

وعلى الرغم من التغيير الذي حصل في الواجهة السياسية في مصر وما حدث في لبنان والعراق من صراعات وحروب إلا أن. الخطاب الوطني والقومي على المستوى العربي بقي حاضراً ومتمتعاً بقاعدة شعبية واسعة وحاضن فكري فعال دون تجاهل حقيقة بروز وتمدد الخطاب الديني الذي اشتغل عليه ليكون في مواجهة الخطاب القومي ويملأ الفراغ الذي تركه بفعل تراجع الحركة القومية العربية وتنامي دور دول الخليج العربي بعد الطفرة النفطية والتوظيف السياسي للفكرة (الجهادية) بما يخدم السياسات الغربية في إطار المواجهة بين الغرب الرأسمالي المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها الاتحاد السوفياتي السابق.‏

لقد فشلت كل محاولات خلق صراعات بينية داخل المجتمعات العربية سواء كان ذلك عبر الحروب بين دول متجاورة عربية أم غيرها أم من خلال الاستهداف الخارجي فبقيت الدولة العربية الوطنية متماسكة فلم تخترق عمودياً أو أفقياً سواء على مستوى البنية السياسية الهرمية (بنية النظام) أو على المستوى الشعبي والمجتمعي (العقد الاجتماعي) ما حافظ على الهوية الجامعة وهذا نجاح يصل إلى مستوى الانتصار بالمعنى السياسي في إطار تحديد الأهداف أو الاستهداف لجهة قراءة ما حدث وتداعياته القريبة والبعيدة.‏

وعلى المقلب الآخر ومن منظور عملي نلحظ أن ما شهدته وتشهده المنطقة منذ عدة سنوات من حروب وصراعات ونزاعات ونقطة بدايتها غزو العراق تحديداً وصولاً إلى ما أطلق عليه الربيع العربي أن الصراع أخذ الطابع العنفي ووقوده محلي ديني ومذهبي وطائفي علماً أن الحامل والمحرض له خارجي والهدف من وراء ذلك ضرب المجتمعات من الداخل وتحويل العداء للقوى الخارجية سواء كان العدو الإسرائيلي أو غيره إلى عداوة للداخل الشريك في الأرض والوطن عبر التحريض الغرائزي والاشتغال على الانتماءات ما دون وطنية وهي انتماءات لا إرادية يعمل على تحويلها إلى هويات بديلة ومصنعة وهنا ينفرط العقد الاجتماعي التاريخي وتسقط فكرة الدولة الوطنية.‏

إن نقطة التحول الأساسية فيما يجري الاشتغال عليه هي خلق حالة شعبية من التشكيك في الانتماء وطرح تساؤلات غير مسبوقة وحائرة يقوم بتسويقها شعوبيون بامتياز ولاهثون وراء تكريس حالة من العداء للعروبة والانتماء القومي الذي هو من وجهة نظرنا ملاذنا الآمن كأبناء لأمة يجري استهدافها بشكل غير مسبوق من قوى ناصبتها العداء التاريخي وجرى تقطيع أوصالها واقتسامها على التسلسل وإخراجها من دائرة أممية إلى قومية ومن ثم وطنية وصولاً إلى إدخال مواطنيها في بوتقة الانتماءات الضيقة سواء كانت مذهبية أم طائفية أم عرقية وصولاً إلى الجهوية والعشائرية والأسرية وغيرها من مركبات.‏

إن الأمن والاستقرار الاجتماعي والوطني لا يتحقق إلا بالمظلة الواسعة الجامعة فالخوف من الآخر والشريك في الوطن هو خوف مفتعل ومصطنع فأبناء الوطن عاشوا على الدوام في مناخ التفاعل والتناغم والنظر لمستقبل حالم بفضاء قومي واسع يحقق طموحات الجميع ويستعيد أمجاد الماضي التي سطا عليها الأعداء التاريخيون للأمة والذين يعودون اليوم برداء جديد بهدف خداع الذاكرة التي يفترض أنها لا تنسى ولا سيما أنها امتلكت التجربة القاسية من دروس لا تنسى تناقلها الآباء والأجداد وحري بالأحفاد استحضارها لتكون درع حماية ونحن نعيش وطأة التضليل والخداع وغياب البوصلة عند البعض.‏