حلم ليلة عيد

 بين الحقيقة وشبهها , وبين النوم واليقظة , ربما كان ذلك , أو لم يكن , وكما في المأثور الشعبي الذي تردده أمي والكثير من الأمهات ( الحلم ليس قد الأيد ) يأتي كما يحلو له , لحظة سانحة , ويعبر نظن أنه دهر لكنه برق ووميض زمن , حلمي ليلة عيد ليس بعيداً عن هذا المأثور و ولا هو بالحلم الذي لا يخيب , بل ربما الخيبة أساسه , وهو ضرب من الخيال مع أنه يجب أن يكون واقعاً .

رأيت فيما يرى النائم أن القيم التي يتاجر بها الكثيرون منا , قد غدت حقيقة وواقعاً صبيحة العيد , فلا تاجر يربح أكثر من نسبة مئة بالمئة ولايحتكر شيئا ليوم قادم , وباعة الحلويات خفضوا أسعارهم لتكون نسبة الربح خمس مئة بالمئة , وليس أكثر من ذلك , واحتراماً لشعور الفقراء كانت آلاف العلب من الحلوى مصفوفة على قارعة الطريق و مزينة بعبارة واحدة : نحن معا , يدا بيد , نتقاسم الحلوى والأمل , عفوا : أخي الصائم لتكتمل فرحتنا , خذ ما تريد , وإن لم يكن معك نقود ( الله يسامحك ).‏

وبالقرب من صيدلية كبرى و كانت المفاجأة المذهلة : عشرات الأصناف من الدواء , ليس دواء السكر , ولا الضغط , ولا الشحوم , ولا ما الزمرة مما أتعاطاه , عفوا آخذه , عشرات أخرى من الأصناف رأيت الصيدلاني بعيني كما تقول حفيدتي مايا ( شفتها بعيني ) يشطب السعر المرتفع نزولا , فالألف عادت بجرة قلمه إلى أقل من النصف ’ وفئة الدواء المسعر بمئة ليرة شطب السعر وكتب: مجاني ...الله كم هم كرماء , لأن المواطن تحمّل عبء ما مصوه من دمه وشرايينه , وأكلوا من لحمه ( صناع الدواء ) قرروا أن يخسروا من أجله ..‏

وحده المواطن كان يستغل التاجر والطبيب والصيدلاني , ومتاجر الأقمشة والألبسة و لم يكن لديه رحمة أبدا , يدخل ويشتري ما يحلو له ,بل أحيانا كثيرة لايدفع , قلب التاجر العطوف الرقيق يخذله فيرتفع الصوت : خذ حسنة لوجه الله , ويهل علي رسول حمزاتوف متذكرا ما قاله حين زار الحميدية , وسئل عن رأيه فقال : الكرم سمة من سمات التجار السوريين , في محل عباءات , كان السعر ألف ليرة , بعد أن عرفني البائع خسر خمس مئة ليرة من جيبه , لم يأخذ إلا النصف ........كان ذلك منذ ما يقارب ربع قرن أو اكثر.....‏

الطبيب الذي صفنا ذات يوم بالدور , وكنا أكثر من سبعة على أسرة متجاورة و بعد انتظار خمس ساعات , وتقاضى حينذاك ألفي ليرة , وهي الآن تعادل ما تعادل , كان ذلك عام 2006 م هو ذاته الطبيب الذي لايأخذ معاينة , بل تدفعها أنت أكثر من ........قبل أن تصل إليه ......رأيت الدمعة في عينيه بل كاد يكتب شيكا لأحد مرضاه ....‏

أما عن بعض الجهات الحكومية التي كان طواف حلمي قريبا منها , جعلتني اصرخ بملء الصوت : أين انتم يا مواطني سويسرا تعالوا لتروا الانضباط والنظام والتقيد بكل شيء , فالجولات التي كانت استعراضية والأسعار التي خفضت لشهر ببضع قروش , ارتفعت عشرات المرات , لم ينفذ قرار واحد يثبت هيبة من اتخذه ........‏

ورأيت فيما يرى النائم أن قرار رفع زيادة تعويضات الاستكتاب عندنا في صحيفة الثورة قد تحققت ,ولا أدري حضر أمامي طيف واسع من الوعود التي حتى الآن مازالت قيد الانتظار ....‏

ورأيت فيما يرى النائم أن كل شيء تبلسم وشفي , إلا نحن من ننق فقد طفح الكيل وتحملتنا الحكومة كثيرا بعد أن أرهقنا التجار بما نستجره منهم , وحدنا من ( يربح ) ......‏

لحظات مرت سريعة , بدت برقاً مزركشا بمطر يد حانية تقول : (جدو قوم , قوم , أنت عم تحكي وأنت نايم ) نعم , كان الأمر فيما يرى النائم , والمنام كما تقول أمهاتنا( ليس قد إيدنا). حلم ليلة عيد لا أكثر ولا أقل ........‏        

ديب علي حسن