موسم تبديل الطرابيش

يعود الحديث عن التفاهمات الأميركية التركية إلى الواجهة في ظل تصعيد الاعتداءات من قبل التحالف الأميركي، والذي حمل في طياته المزيد من ارتكاب المجازر بحق المدنيين، في وقت تتواتر فيه الأنباء عن توسيع دائرة المشاركة بالعدوان بعد تسريبات عن انضمام وحدات إيطالية إلى جوقة العدوان الغربي،

 

بما تحمله من قراءات سياسية تتناقض ومسارات المشهد الميداني المتعرج، خصوصاً لجهة التباينات الحادة في الاستنتاجات.‏

التناغم التركي الأميركي في إدارة ملف المرتزقة ليس جديداً، سواء كان في الشكل أم في المضمون، بدليل أن صياغة التفاهمات الجديدة لم تقتض بأي حال من الأحوال تغييراً في المقاربات المشتركة حيال القضايا الخلافية، كما لم تزد من مساحة التقاطعات المتفق عليها مسبقاً، وهو ما يقود بالاستنتاج إلى أن المسألة في حدها الأقصى هي محاولة لإعادة تدوير زوايا المشهد، بحيث تعيد ترتيب النقاط المتفق عليها وفق أولويات اقتضتها التطورات الميدانية، كما فرضتها الحاجة إلى تظهير مساحات التوافق المرتبطة بالأجندات القادمة لدور المرتزقة.‏

فيما تصبح المشاركة الإيطالية إذا ما صحت التسريبات إضافة كمية إلى حجم التورط الغربي، خصوصاً ما ارتبط منها بتوسيع دائرة المشاركة الغربية، حيث تكون بديلاً لطروحات سابقة، وقد تكون في جوهرها صياغة جديدة لسد الفراغ الذي سينتج عن انكفاء حجم المشاركة الأميركية المباشرة، بعد أن بدا خيار استبدال الأميركي بقوات عربية مجرد فانتازيا تشبه تلك التي كانت تدور حول المعارضة المعتدلة، لتصبح التفاهمات الأميركية التركية جزءاً من تحضير المسرح لتقليص المساهمة الأميركية على الأرض، والاكتفاء بإدارة ما ينتج عنها من فوضى في الأدوار، سواء ارتبط بدور دول الاستعمار الغربي أم تعلق بأطماع التركي في استعادة مشهد تحالفاته المنبوذة تاريخياً.‏

ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال التحرك النشط لبقايا داعش، بحيث يتم توظيفه ليكون الغطاء لإعادة التموضع على وقع الخلط المتعمد ميدانياً، والتشويش المنسق سياسياً لتوزيع الأدوار وفق حسابات تأخذ بالحسبان ظروف المواجهة والمتغيرات الحاصلة على المستوى الإقليمي، وصولاً إلى المقاربات التي تحاول التخفيف من حجم الخسائر في الكفة الأميركية، وليس انتهاء بالمحاولات المحمومة لتدارك الزوابع المتصلة بالدور الأردني، وتحرك المشيخات لاستيعاب الصدمة الأردنية باعتبارها تعيد ترسيم إحداثيات التطورات، وربما يكون الدور الخليجي فيها أكثر من مجرد دعم مادي إذا ما اقتضت الضرورة.‏

وهذا يتسق إلى حد بعيد مع القراءات التي تبني معطياتها على المعلومات المتوافرة من كواليس الخطة الأميركية، لتقديم مقاربتها الأكثر وضوحاً في سياق التوظيف الكلي للأدوات والحلفاء، وتشكيل توليفة تكون فيها المرتزقة وبقايا التنظيمات الإرهابية تعويضاً سياسياً يمكن التعويل عليه لإطالة أمد الحرب، أو على الأقل استمرار الإشغال الذي يحول دون إطلاق مسارات سياسية تفرضها الوقائع على الأرض، والنتائج التي ترتبت على اندحار الإرهاب في أكثر من منطقة، والتذرع سياسياً على الأقل بترتيبات المشهد وما يتطلبه من تفرغ أميركي لإدارة التفاصيل المتعلقة بالأدوار المعطاة وفق حسابات ومعادلات تحاول استدراك اضمحلال الدور المؤثر للتنظيمات الإرهابية واستبداله بالمرتزقة والأجراء.‏

لعبة تغيير الطرابيش الأميركية بالفرنسية والبريطانية والتركية وحتى الإيطالية، باتت ممجوجة، لن تنفع ولن تغيّر في حقيقة أن حامل هذا الطربوش كان وسيبقى محتلاً ومعتدياً، ومحاولة استبدال الإرهابيين بالمرتزقة مكشوفة، إذ إنه في نهاية المطاف هذا مثل ذاك في خدمة الأجندات الاستعمارية، وفي بعضه كان يتناوب على لعب الدور نفسه، وجزء كبير منهم جاء من المصدر ذاته، بعد أن حلق لحيته وأحياناً من دون أن يتكبد عناء فعل ذلك، لأن المعطيات في نهاية المطاف محكومة بإحداثيات الميدان في مواجهة لا تقبل القسمة على اثنين، حيث الاحتلال إلى زوال والمحتل إلى الرحيل، كما أن الإرهاب سيُجتث في نهاية المطاف، والإرهابي إلى مصيره المحتوم بطربوشه السابق أم جاء تحت عباءة اللاحق.‏