من موسكو مرة أخرى: نحو نظام عالمي جديد!

يبدو أن الدبلوماسية الروسية لا تهدأ في ظل التحولات التي يشهدها العالم هذه الأيام، فإضافة للدبلوماسية التقليدية التي تقودها وزارة الخارجية، وأذرعها المختلفة، فإن موسكو كثفت نشاطها عبر بوابة أخرى هي الدبلوماسية البرلمانية حيث افتتح في موسكو على مدى يومين 4-5 حزيران 2018 المنتدى الدولي الأول لتطوير العمل البرلماني الذي دعا إليه مجلس الدوما الروسي، وشارك فيه 136 من رؤساء البرلمانات، واللجان البرلمانية، وأعضاء برلمانات من حوالي 90 بلداً في العالم، إضافة لـ15 رئيس منظمة برلمانية دولية، وإقليمية، ومئات الخبراء والباحثين، وقادة الرأي العام، وشخصيات عامة، وصحفيين من حوالي 125 بلداً في العالم، وقد كان لنا شرف المشاركة كخبراء في هذا الحدث الدولي المهم، الذي أكد مرة أخرى نجاح موسكو في تأمين حشد دولي مرموق وفاعل ومؤثر، من أجل بناء نظام عالمي جديد على أنقاض الأحادية القطبية الأميركية التي تربعت على كرسي قيادة العالم أواخر ثمانينيات القرن الماضي بعد سقوط جدار برلين ورسخت ذلك مع سقوط الاتحاد السوفييتي أواخر عام 1991.
ما من شك أن هناك إدراكاً عالمياً واضحاً لحجم المآسي والتحديات التي أفرزتها مرحلة الأحادية القطبية الأمر الذي يتطلب من كل القوى الفاعلة في العالم توحيد الجهود، وبذلها لإيجاد الحلول لهذه المخاطر والتحديات، ومن هنا ترى موسكو أهمية مبادرتها لجمع البرلمانيين، وصنّاع الرأي العام والعلماء والمثقفين، من أجل حث الجهود على تشكيل أجندة موحدة للتعاون البرلماني الدولي، وتوسيع البنية التحتية للاتصال المباشر بين البرلمانيين، والخبراء البارزين بهدف إعطاء دفع لتطوير آليات الدبلوماسية البرلمانية نحو آفاق واعدة، ووضع مبادئ لتعاون سياسي برلماني، ذلك أن التحديات الراهنة من انتشار للإرهاب الدولي، والهجرة غير الشرعية، وأمن المعلومات، وتهديد سيادة الدول، وتدمير المجتمعات، تتطلب حلولاً تشريعية وسياسية استثنائية، وكذلك بحث مشترك عن حلول كهذه عبر فتح قنوات الحوار والتواصل بين مختلف دول العالم وليس عبر بناء الجدران، وفرض العقوبات والسياسات الأحادية الجانب.
لم يخف رئيس مجلس الدوما الروسي فيتشسلاف فالودين في كلمته الفشل الواضح لمحاولات الضغط بواسطة العقوبات، وبأن سياسة العقوبات الأحادية الجانب لن تفيد لأن من يطبقونها يعزلون أنفسهم، وفي هذا كلام واضح ومباشر للأميركيين والأوربيين من أن العقوبات غير مفيدة، ولا تحقق مصالح أصحابها، لكن مقابل سياسة العقوبات الأميركية الأوربية طرح فالودين المقاربة الروسية القائمة على ضرورة أن يلعب النواب الذين يمثلون مصالح الناخبين دور التواصل والحوار وتبادل الآراء، للبحث عن طرق جديدة لمواجهة التحديات الجديدة ومنها: التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مكافحة الإرهاب الدولي تجارة المخدرات، الهجرة غير الشرعية وغيرها الكثير، معتبراً ضمناً أن هذا الحشد الدولي الواسع في موسكو دليل على أن سياسة العقوبات تعزل أصحابها، وأن الاتحاد الروسي عبر برلمانه وقع اتفاقات للتعاون مع الصين، وإيران، و40 دولة أخرى، مشيراً إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وإلى أوراسيا الكبرى التي ستعقد في تركيا مؤتمراً لرؤساء برلماناتها.
الحقيقة أن هذه اللغة الراقية لرئيس مجلس الدوما الروسي عكست ثقة عالية بالنفس من أن العالم يتحول فعلاً، وأن المطالبة بنظام دولي جديد لا تقتصر على من تسميهم واشنطن منافسيها أي روسيا والصين، وإنما ظهر هذا التوجه لدى الكثير من ممثلي دول العالم فرئيس برلمان غينيا مثلاً، دعا لإنشاء بيت لإفريقيا في موسكو، ورحب بمشاركة روسيا، وانخراطها البناء في إفريقيا، معتبراً أن مشاركة روسيا مطلوبة في إفريقيا، وأما رئيس البرلمان الاندونيسي فقد أشار إلى أن العالم يعود لطرح الشعارات التي طرحها في خمسينيات القرن الماضي أي معاداة الاستعمار، والتأكيد على سيادة الدول، والآن تظهر شعارات جديدة مثل مكافحة الإرهاب، معتبراً أن نسب الإرهاب لدين معين سوف يثير التفرقة والصراعات بين الشعوب، مشيراً إلى أن النظام العالمي الجديد يجب أن يقوم على احترام الدول لبعضها البعض، معلناً التضامن مع الشعب الفلسطيني، ومديناً الممارسات الإسرائيلية.
تكررت نفس العبارات على لسان رئيس البرلمان المكسيكي الذي دعا للحوار، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مؤكداً ضرورة تشييد الجسور، وليس الجدران، والحوار والتعاون بدلاً من العداوات.
لكن رئيس البرلمان السلوفاكي ذهب أبعد من ذلك عندما اعتبر أنه من دون روسيا القوية لا يمكن إحلال السلام في العالم، منتقداً أولئك الذين يعتقدون أنفسهم ساسة، وقادة رأي عبر كلمات متناثرة عبر الفيسبوك، إذ إن التحديات أعقد وأعمق مما يعتقد هؤلاء، وتحتاج للحوار كحل وليس للعقوبات.
كان لافتاً كلمة رئيسة الجمعية الوطنية في جنوب إفريقيا التي أعلنت في بدايتها تضامنها مع الشهيدة الممرضة رزان النجار التي اغتالتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، والتي لم تخف رغبتها بزيارة سورية إذا وجهت لها الدعوة، الأمر الذي نقل إلى أعضاء الوفد البرلماني السوري المشارك، والذين وعدوا بالقيام بذلك عبر رئيس مجلس الشعب.
بالرغم من كثافة الجلسات، وأعمال المنتدى، ولكن يمكن تسجيل النقاط التالية:
1- نجح مجلس الدوما الروسي، والجهات المنظمة في تحقيق أهداف عقد هذا المنتدى الدولي، إذ أكد المشاركون بشكل عام رفض السياسات الأحادية القطبية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وضرورة تفعيل الدبلوماسية البرلمانية كقناة حوار وتواصل بين الدول والشعوب التي لم تخف قرفها من الطريقة الأميركية في التعاطي مع التحديات الجديدة في العالم المعاصر، كما أظهر المنتدى حجم واتساع الحاجة للدور الروسي على الصعيد العالمي.
2- لم تغب قضية سورية وكفاحها ضد الإرهاب عن لسان كل المسؤولين الروس الذين تحدثوا في كلماتهم عن سورية كنموذج للتعاون في مكافحة الإرهاب، وكنموذج لصمود شعب ودولة وجيش، وبدت الأمور أكثر وضوحاً للكثير من دول العالم لحقيقة ما يجري وما جرى في سورية، أي إن هناك نفساً عالمياً جديداً واضحاً أكثر من السابق لفهم حقيقة ما يجري في سورية.
3- ظهر خطاب جديد لدى العديد من البرلمانيين الأوروبيين الذين انتقدوا السياسات الأميركية، وخاصة في الشرق الأوسط عبر تدمير الدول والمجتمعات، معتبرين أن ذلك أدى لانتشار الإرهاب وانتقاله إلى أوروبا، إضافة لمشكلة اللاجئين، وكان لافتاً ما قاله رئيس وزراء سلوفاكيا السابق جان غارنوغورسكي من أن «الناتو لن يحمي أوروبا من اللاجئين لأنه يتسبب بزيادتهم، وأوروبا يمكن أن تحمي نفسها من اللاجئين عندما تحمي نفسها من الناتو»!
الدعوة لنظام دولي جديد بدت واضحة في منتدى موسكو البرلماني، وهي دعوة تحتاج لتكاتف وتضافر وتعاون كل شعوب العالم لإنهاء منظومة الهيمنة الأميركية التي عاثت فساداً وتدميراً، وخلقت فوضى كبيرة تهدد أمن واستقرار العالم بأسره، وعملت على التضليل والكذب عبر وسائل إعلامها، ولكن على ما يبدو فإن هناك صحوة عالمية تحتاج إلى تأطير وتنظيم وتفعيل، من أجل أن يتحول هذا التراكم الكمي إلى نوعي ليحدث الانتقال إلى نظام عالمي أكثر عدالة واحتراماً لسيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مستقبلها بنفسها، وسورية التي كافحت طوال سنوات من أجل استقلالها الوطني وقرارها السيادي، وواجهت إرهاباً معولماً وتضليلاً مبرمجاً، ها هي الآن بدعم أصدقائها، وحلفائها تعري منظومة الهيمنة وتسقطها وتسهم في بناء وولادة نظام عالمي جديد.
شكراً لموسكو التي احتضنت هذا المنتدى العالمي الكبير، وأنصح الأصدقاء الروس بالاستمرار على هذا المسار، والانتقال لدعم الدبلوماسية الشعبية، إضافة للبرلمانية، فبوابات العالم مفتوحة والتغيير قادم مهما طال الزمن، لأن «الله يرى الحقيقة» كما قال تولستوي ذات يوم.