كائنات درامية

 على مقربة من شهر رمضان بدأت الاستعدادات للعرض والاستعراض بالكثير من الأشياء والوقائع، شركات الإنتاج الدرامي تضخ ما لديها، بعضها لديه الأدوات التي تطبل وتزمر لما تنتجه وتقدمه على أنه الغاية والحاجة، ولسنا نحن في الإعلام بعيدين عن هذا التطبيل بشكل أو بآخر، ومازلنا نعيش فكرة أن ذلك يشد الناس إلينا ويعنيهم، مع أن الأمر ربما كان صحيحا قبل الحرب العدوانية علينا، فالفضاء السوري كان دراميا بامتياز، بل حولنا إلى كائنات تعيش على وقع ما تعرضه القنوات من أعمال.‏

وربما شط الخيال بالبعض إلى ضرورة تدريس أعلام الفن الدرامي في مناهجنا، ودفع ضريبة من جيوبنا لهم، مع أن الدراما صناعة وثقافة، ودعمهما واجب وطني، لكن الحقيقة أن بعض صناعها ليسوا أكثر من ممثلين، لايهمهم من الأمر كله إلا المزيد من المال والثراء، ولم يدفعوا جزءا من ضرائبهم ودخلهم، وحتى عندما حوصر إنتاج البعض دعمته الحكومة بمبالغ كبيرة، على حساب لقمة عيشنا.‏

بكل الأحوال، لم نستفد مما جرى وما حصل وما جرته الدراما وجعلها الدواء والغذاء لنا، اليوم سنكون في شهر العرض الأكبر على موعد مع عشرات الأعمال التي لايمكننا التنبؤ بما تحمله من مضامين، لكننا نلمس الضجيج الذي يسبقها، والسؤال الذي يلح على البال: لماذا تقدم الحياة الثقافية والفكرية على أنها دراما، وبالدراما ومن أجلها، ولها، أهو المال والثراء، أهو التسطيح الذي نعيشه ويراد من خلاله أن نبقى أشنيات بلا جذور، رأينا نتائجها خلال سبع سنوات، ومازالت الأمور ماثلة أمام عيوننا.‏

في العالم كله تعمل الشركات التي تقدم منتجاتها على برامج ثقافية، تدعم وتتبنى وتضخ دماء جديدة تكتشفها في الشعر والثقافة والصحافة، وغير ذلك، لديها مشاريعها المهمة في هذا الجانب ربما نطلق عليه (الرعاية) ولكن لدينا رعاية المنتجات الغذائية والمكياج وما يجعل أي شيء استهلاكي قيمة نحتفي بها.‏

كم أتمنى في شهر رمضان أن نكون مختلفين قليلا، ماذا لو فاجأتنا شركات ومؤسسات إنتاجية لديها القدرة على التمويل وأعلنت عن رعايتها لإصدار كتب في الدراسات الاجتماعية وإصدار روايات ومجموعات شعرية، أو دعم أي نشاط ثقافي وفكري واجتماعي آخر، هل تفعل؟.‏

حياتنا التي تقدم أقسى ألوان الدراما والترجيديا ليست بحاجة المزيد من هدر الطاقات التي ربما لو تم جمعها كما قال أحد الفنانيين المبدعين، لو أنفقت على تغيير الواقع لغيرته ليس دراميا، إنما واقع وحقيقة، ملايين تنفق والكل يشكو أن لا تصريف للإنتاج الدرامي، مال الخليج عاقبهم، يعني أن البعض ينتج الدراما حسب مواصفات مال (الأعراب) لهم ومعهم، وليس صاحب قضية فكرية، أقول: البعض وليس الجميع.‏

ألا يمكن استثمار ذلك بغير هذا اللون، أم لأن دورة رأس المال هنا هي الأسرع....؟ أسئلة كثيرة يجب أن تطرح ومن الضرورة بمكان أن نجد دراسات تعنى بالإجابة عليها، العالم ليس دراما، وطننا يشهد أقسى وأشد أنواع التراجيديا، ولم يثمر مجهودكم الدرامي قبل العدوان علينا، لأن قسما كبيرا منه، كما أسلفنا موجه لمال النفط، وأخشى ما أخشاه أن يعود الزمان إلى الأمر نفسه، أتخمنا دراما، هل تبحثون عن فعل حقيقي...؟‏        

ديب علي حسن