الأردن بين مطرقة الوطن البديل وسندان «المطالب المحقة»

أن تكونَ مواطناً سورياً في هذا العالم المجنون يعني ببساطة أنك ومنذ ثماني سنوات تعيش هذه الحرب الملعونة بكلِّ تفاصيلها، حربٌ عانيت بسببها ما عانيت، وجعلتكَ تفقدُ من تفقد، والأهم أنك ومنذ رفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» أو أسطوانة «المطالب المحقّة» بتنا نتحسسها وكأنها دعوةٌ للموت، الدمار والفوضى، بل إنها ولّدت لدينا حساسيةً تجاه مستخدميها أياً كانت جنسياتهم، فننظر لأيَّ احتجاجٍ في أي بقعةٍ من العالم وكأنه نقطةَ انطلاقٍ لحمام دمٍ جديد، لأننا وعن تجربةٍ عملية ندرك تماماً أن المشكلة لا تكمن فقط بمقدارِ وعي الشعوب المتفاوت ومدى فهمها للديمقراطية وحرية التعبير، لكنها تكمن أساساً في كثرةِ المتربصين بدولنا وسعيهم بشتى الوسائل للسيطرةِ عليها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بالطريقة التي تحقق الحد الأدنى من الحفاظِ على مصالحِهم، واليوم جاءَ الدور على الأردن، فكيف ذلك؟
أن يقطعَ ملك «شرقي نهر الأردن» عبد الله مطلعَ هذا الأسبوع زيارتهُ لألبانيا ويعود إلى مملكته، ثم يعود ويخاطِب شعبهُ المنتفض ضد قراراتٍ حكومية تُمعن في رهن البلد لشروط البنك الدولي بأن الأردن أمام مفترق طرق، إما حل الأزمة وإما المجهول، فهذا حكماً مؤشرٌ خطر إلى أن الوضع في المملكة خرج عن السيطرة، فالاحتجاجات لا ينفع معها اتهامَ وزير الإعلام في الحكومة الأردنية المستقيلة للسوريين بأنهم يساهمون بإشعال الأحداث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لأن هذا التصريح هروبٌ للأمام لا أكثر، حتى إعلان الحكومة استقالتها لا يبدو وصفةً علاجية لأن المشكلة هناك لا تبدو بأيِّ حالٍ من الأحوال أداء وخططاً حكومية، بقدر ما هي خياراتٌ سياسية وواقع جغرافي أنتجَ هذه الخطط الحكومية، فالبلد الذي مُنح أساساً كهدية لأسرة الشريف حسين بعد ضياع ملكهُم في العراق والشام يعدُّ من أفقر البلدان من ناحية الناتج المحلي والموارد، بما فيها موارد الطاقتين الكهربائية والمائية، حتى بعد توقيع اتفاقية وادي عربة مع الكيان الصهيوني فإن الأردن ارتهن أكثر وأكثر للمشيئة الدولية المتحكمة بحجم المساعدات من مبدأ «السلام مقابل الرخاء»، ولكي يكتمل الخناق على الشعب الأردني الذي نحب ونحترم، انغمس النظام الأردني في الحرب على سورية، بل إنه من أوائل الأنظمة التي تورطت بالدعم والإسناد لـ«ثوار الدم»، وتناسى الحكام هناك أن سورية بالنهاية هي الرئة التي كان الأردن يتنفس بها، إن كان من الناحية الاقتصادية ودخول البضائع السورية رخيصةَ الثمن بسبب قلة التكاليف، أو انقطاع الأردن عن خط الترانزيت الرئيسي للقادمين من أوروبا عبر سورية وبالعكس، وضياع ما كان يدرّه هذا الخط من مصدرِ دخل للخزينة الحكومية بعد سيطرةِ الإرهابيين على المعابر، لكن في الإطار العام لا يبدو أننا اليوم في زمن التشفي من الأنظمة العميلة، لأن بوصلتنا بالنهاية هي الشعوب الشقيقة التي تعنينا كل قطرةِ دمٍ فيها، تحديداً عندما تلوحُ في الأفق أفكاراً وتقاطعاتٍ تشي بما هو أكبر من احتجاجاتٍ شعبية قد يجري استغلالها، فالأردن كسرَ المقولة التي اعتدنا عليها في السنوات الثماني الماضية: لماذا لا يضرب «ربيع الدم» الدول التي تعوم في البحر الأميركي؟
تساؤل قد يقودنا لفرضيةِ استحالة استغلال الاحتجاجات من الأميركيين، لكن واقعياً علينا أن نعيدَ صياغةَ السؤال بطريقة أشمل: لماذا لا يضرب «ربيع الدم العربي» إلا الدول التي تعارض الكيان الصهيوني رسمياً أو شعبياً، أو تلك التي لـ«إسرائيل» مصلحة مباشرة بتدميرها؟
ببساطةٍ، ورغم اتفاق السلام الموقع بين الكيان الصهيوني والنظام الأردني، فلا يزال لدى الأردن الكثير ليقدمهُ للمطامع الإسرائيلية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأميركي اعتاد سياسةَ التضحيةِ بالحلفاء حسب السياق العام للمصالح، بالتالي قد تكون إضافةَ حكام الأردن على لائحة التضحية تلك، يحتِّم دخول هذا البلد في الفوضى، ولعل هناك عدة أسباب اجتمعت لتدعم هذا الطرح فما هي؟
أولاً، إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة للكيان المحتل، هذا يعني أن جميع المناطق المقدسة التي كانت تحت الوصاية الأردنية منذ «بيعة الشريف حسين» في عام 1924 هي اليوم خاضعة رسمياً للسيطرة الإسرائيلية، ولن يكون للأردن بعد اليوم أي دورٍ أو نفوذٍ عليها من ناحية الإشراف ولا من ناحية المتابعة ضمن إطار اتفاقية السلام، أي انتفاء الحاجة لهذا النظام لممارسة دور الإسفنج في امتصاص أي غضب شعبي فلسطيني مرتبط بالأماكن المقدسة، تحديداً بعد أن مرت زوبعة إعلان القدس عاصمة لـ«إسرائيل» كما مرت كل النكسات العربية، استنكارات وإدانات لا طائل منها.
ثانياً، تصاعد الحديث عن «صفقة القرن» التي يجري الإعداد لتوقيعها بعد الانتهاء من بعض الترتيبات المتعلقة بخلافة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يحتم على رعاة هذه الصفقة إيجاد حلٍّ لموضوع اللاجئين الفلسطينيين، هذا الحلم الذي يراود الإسرائيلي منذ عقود لم يكن يوماً في السر بل في العلن، والنظام الأردني كان ولا يزال يتعاطى مع هذه التصريحات الإسرائيلية بسياسة دفن الرأس بالرمال، وكان آخرها قبل عام عندما تحدث أعضاء في الكنيست صراحةً حول هذا التوجه من بينهم يهودا جليك الذي طالب الولايات المتحدة بتسهيل هذا الأمر، ربما نام هذا النظام في العسل تحديداً أن هناك من أوهمهُ عبر استقباله لغرفة «الموك» التي تدير تحركات الإرهابيين في سورية بأنه سيكون صاحبَ الكلمة الفصل في الجنوب السوري، لكنَّ حساباتهُ كما مشغليهِ اصطدمت بصمود الجيش العربي السوري.
ثالثاً، وهو متعلق بتوقيت الاحتجاجات، فهل علينا فعلياً أن نصدِّق أن الشعب الأردني قررَ فجأة النزول للشارع للتخلص من التبعية للبنك الدولي ورفض القرارات الحكومية، هل إن هذا الارتهان الرسمي الأردني للبنك الدولي حدثٌ طارئ أم إنه واقع عمره عقود، لماذا لم يقرِّر هذا الشعب التظاهر ضد اتفاق وادي عربة؟ هذه التساؤلات تطرح العديد من الشكوك حول ما يُراد الوصول إليه من هذه الاحتجاجات، تحديداً أن هذا النظام محاط بشبكةِ أجهزةٍ أمنية مغلقة لا يمكن لها أن تكون غافلةً عما يُحاك في غرف النقابات العمالية! بل إن نوعية المحتجين وإظهار الطابع الحضاري للاحتجاجات قد يكون رسالة يريد عبرها الملك الأردني أن يضع «الممولين» أمام مسؤولياتهم بعد تراجع الدعم المالي له والقول: «حليفكم في خطر»، لكنه من ناحيةٍ ثانية سيزيد الطين بلة للأردنيين فهل نتوقع مثلاً أن مشيخات النفط ستقبل بنماذج كهذه من الاحتجاجات التي تطيح بالحكومات، هل علينا مثلاً أن نتوقع أن الخلاف الخليجي الخليجي لن يكون له اليد في دعم وتمويل جهاتٍ ما كما حدث في مصر عندما هربت من مزراب الإرهاب القطري إلى دلف الإرهاب السعودي، فماذا ينتظرنا؟
مما لا شك فيه أن تجربة «ربيع الدم العربي» وإن جعلتنا ننظر بعين الريبة لكل التحركات الشعبية وأجبرتنا أن نلعن الحريةَ والأحرار، فهذا لا يعني أبداً أننا لا نقف في صف الشعوب، لكن عندما ننظر إلى البدائل المطروحة بما فيها الخيارات الدموية فإننا قد لا نفرح لسقوطِ أي نظام مهما كانت درجة عمالته لأن البديل سيكون أكثر عمالة، وثمنهُ سيكون من دماء الشعب الأردني، هل نظن مثلاً أن البديل سيرفع رايةَ التحرر من البنك الدولي أو التحرر من اتفاقيات السلام المذلة، البدائل في حالات كهذه إما فوضى تأكل البشر والحجر وإما نظام انتقالي ينتهج الإسلام السياسي قاعدةً، وهل هناك أسوأ من حملةِ راية الإسلام السياسي في تقديم التنازلات وتبريرها بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ولنا العبرة في مصر فبعد رحيل النظام الذي هدد بـ«تكسير أقدام الفلسطينيين» جاء من يرى «أمن المواطن المصري من أمن المواطن الإسرائيلي»، أي إننا قد نكون للأسف مقبلين على ساحةِ صراعٍ ساخنة من جديد، فهل يتدارك ملك شرقي نهر الأردن الوضع قبل اشتعاله، ربما المنطق الأخلاقي يحتم عليهِ وهو كما يدعي «سليلَ أسرةٍ هاشمية» ألا يكذب، ألم يقل يوماً لـ«بي بي سي» أنه لو كان مكان (الرئيس) بشار الأسد لاستقال من الأسبوع الأول للاحتجاجات!
لن نطالبك بالاستقالة، ولن نطلب منك إخراس وزرائك الذين يصدِّرون أزمتهم برمي التهم على الآخرين، المطلوب منك شيء وحيد، أعد لأشقائنا الأردنيين شريان حياتهم السوري وكفاك تآمراً عليهم عندها ستنتهي أزمتك الاقتصادية، أما أزمتك بانتهاء صلاحيتك عند مشغليك فهذا شأن داخلي لا علاقة لنا به، وتذكر أن السياسة السورية بابها مفتوح لكل التائبين لأن ما يعنيها هو الشعوب، فهل تجرؤ؟ لا نعتقد ذلك، نحن بالانتظار!