صفقة القرن بقصف تمهيدي..!!

يفتح التسخين الأميركي الأخير تجاه إيران الباب واسعاً أمام سيل التأويلات والاستنتاجات التي لا تخلو من الانتقائية، وهي تحاكي تمنيات أدوات بأدوار وظيفية في المنطقة، وإن كانت في الوقت ذاته تؤشر إلى احتمالات مفتوحة على التصعيد في ظل فريق أميركي يميل بشكل تلقائي إلى قرع طبول الحرب،

 

والمجاهرة بالرغبة في توظيف فائض القوة الأميركي في المنطقة، التي لم تعد تحتمل الفائض من أزمات العالم، ولم تعد تتسع للتجريب العبثي المتهور، وصولاً إلى اعتباره قصفاً تمهيدياً يتوّج سلسلة خطوات متلاحقة إيذاناً بصفقة القرن التي يروّج لها الخطاب الأميركي.‏

فالتثاؤب المريب في ردة الفعل على قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، يبدو أنه دفع بالإدارة الأميركية للمضي قدماً في خططها، وأعطى رسالة بأن الطريق بات معبداً أمام الإعلان عما سمته الأوساط الأميركية صفقة القرن، رغم النفي والنفي المضاد، كما هو حال التأكيد والتأكيد المعاكس، التي أراد منها الأميركي أن تكون صفعة القرن لتهويد القضية الفلسطينية، وخصوصاً أن التخاذل العربي وحتى الإسلامي وصل إلى سقوف لم يصل إليها، وتخطّى حدوداً كانت صادمة بكل الأبعاد والخيارات، حين خرجت القمة الإسلامية ومن قبلها وبعدها جميع اللقاءات بخفي حُنين وسط مرافعات استقوت فيها على دول منسية داخل الخريطة العالمية، وتجاهلت الدور الأميركي والفعل الأميركي، بل في بعضها، كانت تباركها في العلن.. كما في السر.‏

متاهة الفرضيات الموازية في قراءة الخطوة الأميركية بالتصعيد لشد الانتباه وتسليك الطريق أمام تمرير الصفقة، تزيد من ارتباك الصورة، وتحديداً ما يتعلق منها بالأهداف والأجندات التي تحاكي الوضع في المنطقة، وتدفع إلى الجزم بأنَّ الصفقة لا تقاس بتداعياتها السياسية فحسب، بل أيضاً بالنتائج التي تقود إليها، وإن كان الفعل الرسمي العربي محكوماً بسقوف تحاكي المطالب الأميركية، وتجاري إلى حدٍّ بعيد التمنيات الإسرائيلية، باعتبار أنَّ مجمل المنظومة الرسمية العربية تعرضت إلى تهتُّك، بينما حائط الصدِّ الذي كان يشكله في زمن مضى تداعى من كثرة التجريب فيه، وبات عبئاً يضاف إلى جملة الأعباء التي تواجه القضية الفلسطينية عموماً على مدى سبعين عاماً ونيف.‏

الخطير في المقاربة الأميركية أنها تبني تداعياتها على صورة ذهنية، تروّج لها منظومات من التيئيس المنظم بأذرع داخلية وخارجية، تكاملت فيما بينها، والتي تعمل على كسر إرادة الصمود وحاملها الشعبي، في وقت أصيب فيه العامل الشعبي المغيّب على مدى عقود خلت بالضمور والخمول، وتراكمت الانكسارات فيه وعليه إلى درجة بات لا يشبه نفسه، وأحياناً يبدو نسخة مشوّهة عن المنظومة الرسمية التي أنتجته، وبالغت في تدجين الحالة السياسية لتكون على مقاس الظرف، وملتصقة إلى حدّ بعيد بتلك الصورة الذهنية التي أوجدت فراغات تسللت منها لغة الصفقات التي تزدهر في عهد إدارة ترامب، وتحولت إلى مقياس يمكن تعميمه، في سياق الترويج للمشروع الصهيوني، وخصوصاً مع انكفاء مساحة المشروع الإرهابي المرادف، الذي يعيش فصوله الأخيرة، ودخل مرحلة الأفول، وبدأ الإرهابيون رحلة الهجرة المعاكسة.‏

بالون الاختبار الذي جربته أميركا كان ذرائعياً من حيث الخلاصات النهائية، وأعطى الأميركيين الضوء الأخضر للذهاب بعيداً في استهداف القضية من بوابة إشغال المنطقة بالتصعيد مع محور المقاومة والتسخين مع إيران، وهو يلقى التشجيع المعلن من قبل مشيخات الخليج، التي تتسابق وتتنافس على التطبيع مع الكيان الإسرائيلي وسط موجة من الهرولة غير المسبوقة، التي أرادتها بوابةً لتشريع العلاقة بشكل رسمي وبرعاية أميركية، تكفل في الحدّ الأدنى حماية الصفقة سياسياً، وهي التي اعتمدت سياسة الصفقات منهجاً وسبيلاً وطريقاً.‏

الفرق أن التسخين الحالي يتجاوز السقف المعتاد، ويحمل في طيّاته بذور التدحرج، وعوامل الانفجار قائمة، وخصوصاً بوجود رؤوس حامية، لم تعد مقتصرة على المشيخات وإسرائيل، بل تشمل الفريق الأميركي الذي كانت باكورة ممارساته صادمة، وتسير باتجاه التسخين الأخطرالذي يُراد تتويجه بصفقة القرن، وإن كانت مشوهة، وهذا يشكل نقطة الاختلاف في موجات التصعيد والعدوانية السابقة ومشهدها الحالي، بحكم أن مسار التصعيد وصل إلى ذروته، والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت التي لن تقتصر على أميركا وربيبتها وأدواتها، بل تشمل مختلف الأوراق المفتوحة، فلكل فعل ردة فعل، والآتي أشدّ.. فالتهويد لن يمرّ، وتصفية القضية لن تتم، وكما فشلوا بالإرهاب، سيفشلون بالترهيب والاستلاب والهيمنة..!!‏