بين الرسالة السورية والمعادلة الجديدة

انقضى الأسبوع المنصرم على وقع تطورات عدة شكلت تحولات دراماتيكية غير منضبطة سترخي بظلالها على المنطقة ولاسيما بعد نجاح العدو الإسرائيلي بالتكافل والتضامن مع دول النفط الخليجي بالضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتنفيذ قرار الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران في مقابل إصرار أوروبي صيني روسي على ضرورة التمسك بالاتفاق حفاظاً على المصالح الاقتصادية للدول المشاركة في إبرام الاتفاق، الأمر الذي شكل إرباكاً وتبايناً واضحاً في العلاقات الدولية واختلافاً بائناً في تفسير مبدأ تأمين المصالح الذاتية لكل طرف مع إيران، يضاف إلى ذلك حدثُ نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس بمباركة أميركية عربية تمهيداً لتنفيذ ما سمي صفقة القرن التي من شأنها تسريع خطا التطبيع العربي الإسرائيلي والاعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية وتكريساً لاحتلال فلسطين ما يؤدي إلى طمس القضية الفلسطينية وإلغاء حق العودة للفلسطينيين.
بيد أن تطوراً بارزاً من نوع آخر تمثل بقرار عسكري سوري قضى بتوجيه ضربات صاروخية مباشرة ضد مواقع ومراكز عسكرية متطورة تابعة للعدو الإسرائيلي في الجولان المحتل وذلك رداً على اعتداءات إسرائيلية متكررة ضد مواقع عسكرية سورية، الأمر الذي أحدث تغييراً جوهرياً في المعادلة التي كانت قائمة في سورية وتحديداً على جبهة الجولان المحتل ما هدد بنسف اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم إبرامه بين سورية والعدو الإسرائيلي منذ العام 1973بضمان ومراقبة من الأمم المتحدة.
إنه الحدث الذي قلب كل الأمور رأسا على عقب بشكل مفاجئ واضعاً المنطقة برمتها أمام مرحلة جديدة مملوءة بالمنعطفات التي من شأنها خلط الأوراق وإعادة ترتيبها ولاسيما بعد هذا التطور العسكري بين سورية والعدو الإسرائيلي والذي يعتبر الأهم في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
وعلى الرغم من الأحداث الدامية في سورية التي دمرت الحجر وأنهكت البشر، ظن البعض من أصحاب الرؤوس الحامية في دول الخليج النفطية المتواطئة مع إسرائيل وأميركا، بأن الساحة السورية هي الساحة الأمثل لتوجيه الرسائل واللكمات وتسجيل النقاط على حساب محور المقاومة من دون أي رد مؤثر، بيد أن الجمهورية العربية السورية كان لها موقف مغاير وصادم بالنسبة للأعداء لكنه موقف مملوء بالعزة والكرامة بالنسبة لسورية ولمحور المقاومة.
موقف أشعر الشعب السوري الأبي كما أشعر كل فرد من أفراد الشعب العربي المتمسك بعروبته، بالفخر وبأنه جندي وضابط في قوات الدفاع الجوي السوري يشارك في إطلاق الصواريخ السورية باتجاه قواعد العدو العسكرية في الجولان المحتل، معيداً للأذهان تأكيد وتصميم وثبات سورية على مواجهة العدو الإسرائيلي رغم كل الصعاب كما أعاد القضية الفلسطينية إلى خريطة الضمائر النائمة التي تخلت عن فلسطين وعن مواجهة العدو الإسرائيلي مقابل التزام سورية وحدها بهذه القضية.
إنها مرحلة جديدة تجسدت بالمواجهة الحقيقية مع الأصيل بعدما فشل الوكلاء في تحقيق أهداف العدو الإسرائيلي في سورية، إلا أن هذه المرحلة لم تزل خاضعة إلى ضوابط الميزان الدقيق الذي فرضته الظروف الإقليمية والدولية والتي تلزم الأطراف كافة بضرورة التقيد بتلك الضوابط خوفاً من الانزلاق نحو المواجهة الشاملة التي يصعب التحكم فيها وتجنباً لتحمل تبعاتها وارتداداتها من خسائر بشرية ومعنوية إذا حصلت المواجهة.
دأب العدو الإسرائيلي في الفترة الأخيرة على تكرار الغارات والاعتداءات العسكرية على مواقع سورية تحت عناوين مختلفة تارة ضد أسلحة كانت متوجه إلى حزب الله اللبناني، وتارة أخرى ضد قواعد إيرانية في سورية، وهدف العدو الإسرائيلي بدا واضحاً تمثل برغبة إسرائيلية جامحة في جر المنطقة نحو الحرب الشاملة ضد محور المقاومة وإيران في آن واحد، لكن شرط تأمين التغطية العربية الخليجية وضمان مشاركة أميركية فعالة إلى جانب إسرائيل في المواجهة.
إن الرد السوري القوي على العدوان الإسرائيلي الأخير هو رسالة واضحة موجهة إلى رؤوس حامية في كل من إسرائيل وأميركا وتركيا وبعض الدول الخليجية النفطية مفادها: إننا لم نعد وحدنا نتلقى اللكمات في حلبة الصراع وإن ما بعد الاعتداء الثلاثي على سورية ومن بعده الغارة الإسرائيلية على مطار «تيفور» ليس كما قبله، وإن أي اعتداء جديد على سورية ومحور المقاومة سيجعل العدو الإسرائيلي في حلبة مواجهة واحدة مع كل من سورية ولبنان وفلسطين والعراق وصولا إلى اليمن، نتبادل فيها اللكمات انطلاقاً من مبدأ أن أي فعل يقابله ردة فعل مضادة وبالقوة نفسها، وبالارتكاز على مبدأ الصاروخ بالصاروخ والغارة بالغارة، على الرغم من حرص حَكَم الحلبة الرئيسية فلاديمير بوتين الواضح، على منع كل الفرقاء من استعمال الضربة القاضية تجنباً لعواقب الانزلاق نحو المواجهة الشاملة والاكتفاء بتوجيه لكمات تسمح بتسجيل النقاط فقط. إنها المعادلة الجديدة.
إن الجولة الأولى من تلك المعادلة انتهت بتسجيل نقاط مهمة لمصلحة سورية وبتوجيه لكمة شديدة القوة والتأثير إلى قواعد جيش العدو، أحدثت جرحاً غائراً نازفاً في وجه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مرفقة برسالة شديدة اللهجة مفادها: إننا في سورية العروبة ومحور المقاومة قادرون على استهدافكم بطرق عديدة، رغم ما تدّعونه من إمساك بالجبهة مع سورية، ورغم ما توظفونه من إمكانات لحماية أنفسكم ورغم صراخكم والتهديد والوعيد الإسرائيلي، ورغم خيانة دول الخليج ومنحكم حق الدفاع عن أنفسكم ورغم محاولاتكم تهويد القدس وسلب الفلسطينيين حقوقهم، ورغم كل مؤامراتكم إلا إننا في سورية مصممون على الدفاع عن سورية العروبة صوناً لكرامتها وعزتها ولكرامة الأمة العربية.
بعد صراخ العدو الإسرائيلي نافياً وجود نية للتصعيد، بدا واضحاً أن العدو تبلغ جيداً مضمون الرسالة السورية ليجد نفسه أمام معادلة جديدة يصعب تفكيك رموزها.