ضرب تمهيدي أم معادلة ردع؟ استعدوا لاستقبال نازحيكم

يوماً ما كان جحا يأكل لحم خروفٍ مشوي فمر به أحدهم وقال له ساخراً: ما بالك تأكلهُ بشراهةٍ وكأنَّ أمّهُ قد نطَحتك؟ فابتسم جحا وأجابه: ما بالكَ حزينٌ عليهِ وكأنّ أمهُ يوماً قد أرضعتك؟
هكذا بدا حالُ النِّعاج التي رضِعت ذلَّاً من الكيان المحتل بعد معركةِ الصواريخ الأخيرة بين الجيش العربي السوري وقوات الاحتلال الإسرائيلي التي كان مسرحها الجولان السوري المحتل ومغتصباته، كأن يسارع مثلاً وزير خارجية مشيخة البحرين للاعتراف بحق الكيان بالدفاع عن النفس، وصمتَ وزراء خارجية باقي الدول التي اعتراها الخوف من هزيمةٍ نكراء لمن أرضعتهم معنى الخنوع، إلى أن خرق هذا الصمت دعوةَ وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان لهم للخروج من جحورهم نحو علانية العلاقة مع الكيان الصهيوني، هذه الدعوة تترك خلفها الكثير من التساؤلات أهمها:
هل انتقل هؤلاء من توصيفهم كنعاج إلى مرحلةِ توصيفهم كأرانب أو فئران يتشاركان ميزة العيش في الجحور؟ ماذا لو كان المتحدث ليس إسرائيلياً؟ يوماً ما انتفض المستعربون ورفعوا راية الانتقام لوصفهم بـ«أنصاف الرجال»، علماً أن هذا التوصيف كان رحيماً بهم، فلماذا صمتوا اليوم؟ بكل تأكيد فإن الكيان الصهيوني أدرى مع من يتعاطى، لكن بين صمتِ من صمت، وتعاطف من تعاطف، فهل هذا الهجوم آلمهم إلى هذا الحد؟
قبل اندلاعِ حرب تشرين التحريرية في تشرين الأول 1973، كان الكيان الصهيوني يعيش هاجسَ معرفةِ القدراتِ العسكريةِ السورية وقدرتهِ على المفاجأة، وعندما انعدمت لديه كل الوسائل المتاحة لمعرفة أسرار هذه الأسلحة، لجأ لشنِّ هجماتٍ جوية على بعض المرافق الإستراتيجية بعملياتٍ موضعية، لكن المفاجئ يومها أن الجانب السوري التزم الصمت وضبط النفس للحفاظ على عنصرِ المفاجأة، ونجح في ذلك عندما تحولت صواريخ «سام» خلال الحرب إلى كابوسٍ أرهق الإسرائيلي وتسبب له بخسائر لا تحصى، بعد أكثر من أربعين عاماً فإن ما يقلق الإسرائيلي اليوم هو أن التاريخ يكرِّر نفسهُ بصورةٍ معاكسة، ليكونَ الهجوم بالصواريخ الذي بدأ من الأراضي السورية هو بمنزلة الرمي التمهيدي الذي يحاول محور المقاومة من خلالهِ استطلاع ما تبقى لدى الإسرائيلي من قدراتٍ على الصمود مستقبلاً، لأنه نظرياً يمتلك الكثير ولكن التجربة العملية أثبتت أن ليس كل ما يلمع ذهباً، ولعل هناك عدةَ مقاربات ترجح فرضية «الرمي التمهيدي» تحضيراً لما هو قادم، فما هي؟
أولاً: يبدو الجانب السوري اليوم متسلحاً بالانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري على الأرض، هذه الانتصارات في العلوم العسكرية تعني أمرين؛ الجهوزية القتالية على أشدها، والروح المعنوية في حالة من الارتفاع المتواصل تحديداً أن هذا الجيش يخوض أكثر من حرب في الوقت ذاته ورغم ذلك فإن النتائج بعكسِ ما يتمناه الأعداء، هذا التوازي بين الجهوزية والروح المعنوية قد يراها الإسرائيلي سبباً لكي يذهب فيها الجانب السوري بصواريخهِ مستقبلاً إلى ما أبعدَ من الجولان السوري المحتل.
ثانياً: التأييد الشعبي المرافق لكل عملية مواجهة مباشرة مع الكيان الصهيوني، هذا المد الشعبي ربما لا يمكننا أن نراه في الكثير من الدول التي تخوض حروباً، تحديداً أن وعي المواطن السوري يجعله يتعاطى مع الكيان الصهيوني أنه الأساس في كل ما يجري من دمارٍ في سوريا، والأهم أن نوع كهذا من المعارك تجبر حتى أصحاب نظرية المواقف الرمادية مما يجري على سورية من أحداث أن يكون له موقف واضح من المعركة مع العدو الأصيل، اللافت أن هذا الأمر لا يوازيه شيء في الجهة المقابلة، ففرق كبير بين شعب يخرج ليتابع المعركة من على أسطحِ المنازل، و«شعب» ينزل إلى الملاجئ لمجرد إطلاق صفارات الإنذار، هنا الحديث عملياً عن قوة الجبهة الداخلية وتماسكها وهو أمر لا يمكن حتى مجرد المقارنة فيه بين كلا الجبهتين.
ثالثاً: إذا لم يعد الجولان حرباً، فهل سيعود سلماً؟ هناك بديهية في الحياة بأنه لا يمكنك المراهنة على ردةِ فعل شخصٍ ليس لديهِ ما يخسره، وبمعنى آخر فإن نظرة واقعية لحجم الدمار الذي تعرضت له البلاد على يد الوكلاء، ستصل بنا إلى نتيجةٍ منطقية بأن الحرب المقبلة لن تزيد عليها الكثير، حتى الخسائر البشرية ما كنا لنخسرها لو كانت حربنا مباشرة مع الأصيل، هذا يعني أن الاستثمار في الدمار الحاصل قد يكون أساساً لفكرة أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.
رابعاً: وهو ما يتعلق بالكيان الصهيوني ذات نفسه الذي بدأ قادة حربهِ يقتنعون بأن اعتماد سياسة النحلة في اللسعِ والهرب لم تعد مفيدة، لأنهم وإن نجحوا في اللسع فلن ينجحوا في الهرب، واليوم وبعد ما يقرب من السنوات الثماني من الحرب ما زالوا غارقين بأحلام اليقظة باعتقادهم أن قوة الجيش العربي السوري الذي يشكل حلقة الوصل الأساسية في «محور الشر» بالنسبةِ لهم، بدأت تتآكل، حتى ما كانوا يعايرون فيه القيادة السورية لإخفائها الخسائر الناتجة عن غاراتهم، قاموا هم أنفسهم بما هو أكثر منه تعتيماً، إذ لم يمض على الهجوم الصاروخي السوري على نقاط عسكرية أقل من ساعة حتى سارع الكيان الصهيوني للطلب من وسائل إعلامه الامتناع عن إعطاء أي معلومات.
خامساً: تعقيدات الوضع الدولي التي تبدو خارج سياق مصلحة «إسرائيل» مهما بدت الصورة معاكسة لذلك، فمنذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران بضغط إسرائيلي كانت العين متجهة إلى ردة فعل الألمان والفرنسيين الذين لم يتخذوا حتى الآن قراراً حاسماً بشأنِ الانسحاب من عدمه.
واقعياً دائماً ما يجري تحميلَ أجهزة الاستخبارات في دولةٍ ما مسؤولية تورط هذه الدولة في حروبٍ نتيجةً لمعلومات خاطئة، لكن هذا الأمر لا يبدو قاعدة والحالة الفرنسية أمامنا واضحة إذ إنه ومنذ بداية عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند مثلاً سعت الاستخبارات الفرنسية إلى إقناعه بأن وجهة النظر الفرنسية حيال ما يجري في سورية لن تفيد فرنسا، لكن هولاند لم يكتف يومها بتجاوز التحذيرات، بل وضع الملف السوري كاملاً بيد وزير خارجيته «لوران فابيوس»، واليوم يبدو الأمر في السياق ذاته، فلو عادَ الأمر للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لخرجت فرنسا من الاتفاق بشكلٍ متزامنٍ مع انسحاب الأميركيين، لكن حتى الآن على الأقل تبدو وجهة نظر المخابرات الفرنسية الرافضة لهذا الانسحاب هي المسيطرة لأنها تسلحت بمعطيين:
الأول وهو الخوف من الخسائر الاقتصادية، فمنذ أن أعلن ترامب قرار الانسحاب بدأت وسائل الإعلام الفرنسية بث برامجَ ومناظراتٍ للحديث عن حجم الخسائر الفرنسية في الاستثمارات الإيرانية في حال قرر ماكرون أن يتبع ترامب حتى النهاية، بل بعض وسائل الإعلام تحدثت عن إيران بوصفها «جزيرة الدورادو» في كناية عن الأسطورة الشهيرة لجزيرة الكنز التي لا يبدو أن الفرنسيين سيتخلون عنها بهذه السهولة، لا من أجل الأميركيين ولا حتى الإسرائيليين.
أما المعطى الثاني فهو الخوف من الموقف الروسي لأنهم ينظرون بواقعيةٍ لأن قرار ترامب ليس مجرد خروج من اتفاقية، هو بالنهاية ضرب بمصداقية المجتمع الدولي والقدرة على فرض الحلول للمشكلات العالقة، أي إن هذا الاجتهاد الترامبي قد يواجه باجتهاداتٍ مماثلة لاتفاقيات يرى فيها الفرنسيون مصلحة للجميع رغم الخلاف السياسي، حتى الحل الوسط المطروح من الفرنسيين بأن يكون هناك مراجعة بسيطة للاتفاق تضمن محاصرةَ برنامج الصواريخ البالسيتية الإيراني، قابلته إيران برفض قطعي، كل هذا الكلام يقودنا لفرضيةِ أن الأوروبيين سيتركون في النهاية ترامب يواجه إيران وحيداً، لكن هذا الأمر له تبعاته، بل يعطي ترامب فرصة جديدة لتثبيت موقفه القديم بضرورة حل منظمة «ناتو» التي يراها عالة على الولايات المتحدة، فماذا ينتظرنا؟
ربما أن قرار الرئيس الأميركي الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران سيكون حجر زاوية سيكتشف الجميع مستقبلاً أنه أفاد إيران أكثر مما أضرها، أما الكيان الصهيوني فهو بات يبحث بين «السموم» عن ترياقٍ يبقيه على قيد الحياة، دون أن ينسى أن المسألة لا تحتمل الخطأ لكنه في كل مرة يكرر الأخطاء ذاتها حتى أوصل نفسه إلى مرحلة لم تعد فيها أخطاؤه موضع اهتمام لأن المهم ما يريده الطرف الآخر.
لم يفهم أحد يوماً عبارة الرئيس بشار الأسد بأن سورية هي خط فالق زلزالي لا يمكن العبث به، لكنهم وإن لم يفهموه باتوا اليوم يعيشون واقعه، مشكلتهم أنهم راهنوا على أحصنة من خشب، ومشكلتهم أنهم أرضعوا نِعاجهم ظناً منهم أن حليبهم سيصنع منهم وحوشاً، لا ذاك نفع ولا هذا نفع، الذي سينفع أمرٌ وحيد فقط ليس انطلاقاً من فرضية «جهزوا ملاجئكم»، بل لفرضية استعدوا لاستقبال نازحيكم، واهمٌ من يظن أن العقل السوري يضيِّع الفرص، فما بالك إن كانت هذه الفرصة بحجم التطهر بمياه طبرية!