الأســد والتيمـوس

قصة الناي كما وردت في ديوان “جلال الدين الرومي” بين العرفان واستنهاض الإنسان في بناء الذات، وعودة الروح إلى خالقها ، وبناء حضارة إسلامية مميزة ممتشقة من حكاية أنين الناي بليل عرفاني إلهي جميل .

كل هذا وأكثر في ملحمة انفصال الناي من مزرعة القصب الربّانية حيث كللتها نفخة روح رب العالمين . يشكو الناي ، ويبكي ويعبّر في بكائه عن آلام فراقه ، فأنين الناي هو شوقه لأصله الذي انتزع منه ، يقول الرومي بالفارسية : (بشنوازني جون شكايت مي كند واز جدائيها حكايت مي كند كزنيستان تامرا ببريده اند . درنفيرم مرد وزن ناليده اند ).

وكما في العربية : اسمع من الناي إذ يشكو . وعن فراقه إذ يحكي . فما أن قطعوني من مزرعة القصب. حتى بدأت أئن ويئن معي الرجال والنساء.

يحنّ هذا الكائن البشري من أعماقه إلى عودته إلى خالقه الذي نفخ فيه من روحه، ويسعى جاهداً أن يعود إليه ، لكن رحلة العودة تحتاج إلى صفات خاصة يتحلّى بها العائدون لابدّ من الحنين الذي هو زاد المسافر، ولابدّ من الشوق رديف الحنين ، ولابدّ من الجمال ، والإبداع ، والعزة والقوة ، والكرامة ، ولابدّ من الرحمة لابدّ من أشياء كثيرة تتوالد مع الإنسان كلّ مرة يسمع فيها أنين الناي ، وقد تلد أشياء مع سماع الصباح ، غير تلك التي تلد مع سماع الليل .

وكل أنين يأتي يحمل معه الأنين الأكبر والشوق الأعظم في رحلة العودة إلى الله ، حيث الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها تتقدمها الحرية ، ويظلّ الأنين يدفع الإنسان ويستثيره نحو الكمال . ويتكرر الأنين ويتكرر معه سماع آهات الشوق، حيث يذوب الإنسان شوقاً وحرقة وألماً وهو يمشي في رحلة العودة إلى الله .

وتختلط الدموع وتمشي على خدود تمتزج معها تنهدات أهل العرفان ، إنه العشق العرفاني  . هذا العشق الغريب في المكان والزمان ، هو جوهر الإنسان ولكن ليس كل إنسان، يبحث الأنين  .. يبحث عمّن يفهمه ، فلا يراه إلا  في أهل العرفان حيث يتمخّض عن ولادة الهم العرفاني ، وهذا الهم العرفاني حياته في دموعه ، في عيونه المتطلعة دوماً إلى منبع النفخة الإلهية حيث مزرعة القصب وهو أجمل مادة إنسانية تساعد على حمل هذا العشق، فيلتصق العرفاني بأنين الناي محرضاً على ظهور الصدر الروحاني العرفاني البكّاء .. ويظهر نسيج متلعثم ببضع كلمات ..يارب..أعدني اليك ..حيث خلقتني ، وكلما زاد بوح الأنين زاد الشوق والحنين، إنها نار العشق تحرق صدور العاشقين لا هواء تجمعه الأشداق .

ولا يمكن للإنسان الذي يبحث عن العودة إلا أن يدخل عالم الأسرار عبر نار تتلوها نار، لينضج الراغبون في العودة إلى الله ، وهذا النضج بحاجة إلى استثارة دائمة ما كانت لتكون  لولا الأنين .

وهكذا فالإنسان راجع إلى أصله وهو حين يتلون ويتغير إنما يتطهّر بحثاً عن العزة التي يسمّيها أفلاطون ( تيموس ).

ولقد خاض السوريون قائداً وجيشاً وشعباً حرب التطهير ضد قوى الإرهاب والتكفير وأنين الناي الذي حمله شهداؤهم إلى الله هو نشيد العزة إلى خالقهم وأنين جرحاهم  تراتيل سماوية  .

ويظلّ السوريون متقدين قوة ليحافظوا على ( تيموس ) حياتهم الذي لو تخلّوا عنه لتخلّى عن قتالهم ترامب وسلسلة كلابه. من دمشق مع التحيات .

الدكتور ( علي الشعيبي ) طالب التيموس بقوّة من الله لقائده وجيش بلاده وشرفائها.

الحقائق السورية