إرادة الإعمار

كان أحد أهداف الحرب التي شنت على سورية تدمير قدراتها العسكرية والاقتصادية وإعادتها عشرات السنين إلى الوراء، بحيث تنشغل بإعادة بناء ما دمرته الحرب مادياً وبشرياً، ما يشغلها عن القضايا الأساسية المتعلقة بالتحديات الخارجية،

 

ولا سيما استعادة ما احتل من أراضيها والسعي باتجاه تحقيق الأهداف الكبرى التي يطمح السوريون والكثير من العرب إلى تحقيقها، وهي الوحدة العربية التي تحقق للعرب المكانة المناسبة بين الأمم في عالم لم يعد فيه مكان أو مكانة للكيانات الصغيرة والمجزأة، عالم تحكمه التكتلات الكبرى في ظل عولمة اقتصادية لا تعرف الحدود وأشكال الحماية التقليدية.‏

وقد حققت الحرب التي شنت على سورية الكثير من أهدافها التدميرية ولكنها لم تحقق أياً من أهدافها السياسية، فهي بلا شك تركت أوزارها على السوريين حيث دمرت مدناً وحواضر، وذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ناهيك عن الدمار الذي لحق بالمرافق الاقتصادية والخدمية والبنى التحتية ومظاهر العمران الأخرى، حيث تقدر تكلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب بحوالي ٣٠٠ مليار دولار ما يعني الحاجة إلى مساهمات دولية في ذلك إضافة إلى ما يجب أن تتحمله الدول التي مولت وساهمت في العدوان ودعمت أطرافه وتنظيماته بعشرات المليارات من الدولارات ثمناً لشراء الأسلحة والذمم.‏

إن محاولات تعويم الأزمة في سورية وتشبيكها مع قضايا أخرى أو ربط حلها باشتراطات تعكس مصالح قوى كبرى دولية أو إقليمية أو برغبات سياسية لقوى كان وما زال هدفها اقتناص السلطة بأي ثمن هي محاولات محكوم عليها بالفشل والسقوط، ولن يكون لها أي تأثير في حرف ثوابت استراتيجية الحل وفق الرؤية الوطنية السورية ففائض قوة الخارج سواء كانت سياسية أم عسكرية أم اقتصادية ولعل ما تجدر الإشارة إليه هو ما يصدر من تصريحات أو تلميحات من بعض الدول بربط مسألة المساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب والعدوان على سورية باشتراطات سياسية وفق رؤية تلك القوى ومصالحها وهذا يعكس درجة عالية من فقدان الحس الإنساني والأخلاقي والاستهتار بحياة السوريين الذين كانوا ضحية الإرهاب والعنف والتطرف إضافة إلى انكشاف كذبة التباكي على الحالة الإنسانية في سورية التي ما هي إلا شكل من أشكال الخداع وتلوين المواقف وتضليل الرأي العام بالتستر على الجرائم.‏

إن الذين قبضوا ثمن تدمير سورية لن يكونوا من يساهم في إعادة إعمارها فلا يمكن لمن دمر أن يعمر، ثم إن سورية والكل يعلم ذلك هي عمارة وصناعة أهلها ففي سورية أقيم أول مسكن للإنسان قبل ثمانية آلاف وخمسمئة عام قبل الميلاد في تل المريبط على ضفة الفرات اليسرى، وفيها أول الكتابات في أوغاريت، وزرعت في أرضها أول سنبلة قمح، ودجن فيها الحيوان البري، وحمل أبناؤها رسالات السماء إلى الأرض، ويتوزع السوريون منذ مئات السنين في كل أصقاع الأرض بناة وأصحاب حضارة وإبداع حتى لو كانوا في المنافي ففي سورية تتعانق وتتفاعل عبقرية الإنسان والمكان عبر الزمان.‏

إن السوريين الذين دافعوا عن بلادهم بكل شجاعة واقتدار ودفعوا ثمناً باهضاً في ذلك قادرون على إعادة شريان الحياة الطبيعية إلى بلادهم مهما كان الثمن باهضاً فالكرامة لديهم أشد وهجاً وقيمة من وهج المال وهم يدركون أنهم يعيشون في عالم تعتاش الكثير من دوله وحكوماته على تجارة الحروب والنخاسة السياسية.‏