التنمية والوعي في مواجهة التطرف

وما دامت ظاهرة مركبة فلا شك أن معالجتها مركبة بمدخلاتها ومخرجاتها، فثمة بيئة ومناخ مخصب للسلوك المتطرف ومغذ له، وعلى هذه الفرضية يمكننا القول إن الفقر والجهل عاملان أساسيان في صناعة التطرف بأشكاله المختلفة، ما يعني أن انتهاج سياسات تنموية ببعديها الاقتصادي والاجتماعي عملية ناجعة في هذا الإطار من هنا تأتي أهمية وضع برامج وخطط تنموية مستدامة تخصص لها موازنات مناسبة قادرة على تحقيق الأهداف المرجوة.‏

إن رصد مبالغ كبيرة على برامج التسلح في موازنات الدول النامية مقارنة مع ما هو مخصص للمشاريع الاقتصادية سواء كانت زراعية أم صناعية أم للتعليم بكافة مستوياته يساهم إلى حد كبير في عرقلة خطط التنمية ويزيد من الفوارق بين الطبقات الاجتماعية ويوسع دائرة الفقر والجهل وما يشكله ذلك من مغذيات وروافد للتطرف والإرهاب ما يزيد الأمور سوءاً ويوسع الفجوة المعرفية ويوفر فرصاً أكثر لانتعاش تلك الظاهرة الخطيرة.‏

لقد بينت الأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية المعنية بمراقبة برامج التسلح والدفاع وما يخصص لها من موازنات ويرصد لها من أموال ناهيك عن تجارة السلاح، أن ما رصد للتسلح في دول العالم عام ٢٠١٧ يزيد على ترليون وأربعمئة مليار دولار كان نصيب الولايات المتحدة الأميركية منها ٧٠٠ مليار دولار أي ما يعادل موازنة ٤٨ دولة من دول العالم وهنا يطرح السؤال أين تصرف تلك الأموال وما حصة منطقتنا العربية منها حيث تشير الدراسات والأبحاث المتعلقة بذلك أن الدول العربية تنفق حوالي ٣٠٠ مليار دولار على شراء الأسلحة في حين أن ٤٠% من سكان الوطن العربي يعانون من الفقر وسوء التغذية والأمية إضافة إلى أن أغلب الدول العربية تتصدر لائحة منظمة الشفافية الدولية في مؤشرات الفساد العالمي.‏

إن خطر الإرهاب خطر بمواجهة الجميع، ومكافحته تستدعي جهداً دولياً صادقاً ومتكاملاً ومديداً، يبدأ من مدخلاته وينتهي بمخرجاته، فمدخلاته تربوية ثقافية اقتصادية، ترتكز على سياسات ناجعة قوامها بناء الإنسان وتوفير سبل العيش والكرامة والحرية له فهذا يجفف حقيقة منابع الإرهاب، فتضيق وتتلاشى دائرة المخرجات وتسهل معالجتها بالوسائل المعروفة عسكرية كانت أم أمنية وغيرها، وفي حال انتهاج هكذا سياسات ناجعة وشفافة فبالتأكيد ستكون النتائج مشجعة وعملية، إما أن تتحول مسألة مكافحة الإرهاب إلى خطاب إعلامي وسياسي يدحضه مجمل السلوك كما هو حاصل راهناً أو أن تتحول مقولة مكافحة الإرهاب إلى استثمار سياسي ومالي وذريعة لانتهاك سيادة الدول وغطاء لنزعة الهيمنة وحمى الاستعمار كما هو حاصل راهناً فهذا كذب ونفاق سياسي يدفع باتجاه الدخول والانزلاق أكثر في نفق مظلم لا نهاية له ولن ينجو من شروره أحد مهما توهم أنه قادر على ذلك.‏