سقوط مشاريع التقسيم والفدرلة!

العدوان الثلاثي الأخير على سورية في 14 الجاري كان القشة التي كسرت ظهر البعير لأميركي الغربي، وكشفت وفضحت النيات الحقيقية لحلف العدوان، وأدواته الإقليمية، والمحلية، وخاصة مع الارتباك، والفوضى التي سادت في أوساطهم السياسية والدبلوماسية والإعلامية بعد العدوان وبدء بحثهم عن خيارات بديلة إثر الفشل الذريع لصواريخ الـ«توماهوك» سواء من خلال سقوطها على يد الدفاعات الجوية السورية البطلة، أو الحالة الشعبية الرائعة التي زادت اللحمة بين السوريين، وزادتهم التحاماً بجيشهم وبقيادة الرئيس بشار الأسد.
واشنطن مرتبكة، في ضوء بحثها عن انسحاب سريع من شمال سورية كما يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وذلك لأسباب ميدانية وداخلية، وبسبب انسداد الأفق في تحقيق تغيير ميداني يقلب المعادلات التي عُمدت بدماء آلاف الشهداء من محور مكافحة الإرهاب، وعلى رأسهم السوريون، وفي الوقت نفسه تسعى واشنطن لملء الفراغ بعد انسحاب قواتها فتطرح طرحاً غريباً عجيباً أن يتم إرسال قوات عربية إلى شمال سورية، وهو الطرح الذي قدمه أمير قطر العبقري حمد بن خليفة في بداية الحرب على سورية، والطريف في الأمر أن وزير خارجية مملكة آل سعود تحمس للاقتراح الأميركي، وأبدى الاستعداد لذلك، من دون أن يفكر لحظة واحدة أن جيشه لا يستطيع حماية حدوده مع اليمن، وأن مملكته أخذت المهزومين من «جيش الوهابية» في دوما إلى منطقة الحدود اليمنية السعودية للدفاع عن أسيادهم هناك، بعد أن قطع الجيش العربي السوري ذراع محمد بن عبد الوهاب في دوما، وحملهم إياها في باص أخضر، كي يفهم غلمان البلاط السعودي أن لا أفق لهم هنا في دمشق حيث القرار سوري بحت.
واشنطن تدرك أن حلفاءها قادرون على تمويل المرتزقة كما مولوا داعش وجبهة النصرة وغيرها، لكن ليس لديهم جيوش ولا جنرالات، ولا جنود يدافعون عن بلدانهم وينتمون إليها، فهذه «عروش» في أرض نفط وشركات، وليست أوطاناً بجذور وتاريخ وثقافة وانتماء، وإنما ممالك ومشيخات أكثر ما تعتز به في تاريخها هو «سروال الملك المؤسس، وصندله، و…إلخ»، فعلى ماذا يعول الأميركي؟
أما قطر فقد توسلت للحصول على الحماية التركية ووضعت أراضيها لشن العدوان على سورية بتصرف واشنطن ولديها قوات لحماية الأمير وحاشيته ليس إلا!
وإذا كان التعويل على مصر فلا أعتقد أن المصريين مستعدون لذلك بحكم علاقاتهم المفتوحة مع دمشق، وكذلك لأنهم لا يمكن أن يصطدموا بالجيش العربي السوري أبداً، وإن كان موقفهم الأخير من العدوان باهتاً وملتبساً ولا يليق بتاريخ مصر، ودورها المفترض لكن مصر التي نعرفها انتهت! وهي اليوم غير قادرة على الخروج من المحور الغربي السعودي، وهامش المناورة لديها ضيق ومحدود.
ولذلك فإن تعويل واشنطن على قوات عربية ليس خياراً غريباً، ومريباً فقط، وإنما خيار فاشل سلفاً، فواشنطن محتلة في سورية فهل يجوز لمحتلٍ أن يدعو قوى عسكرية لتحلّ محله! ما هذا الطرح الأحمق في العلاقات الدولية؟!
لا يبدو الأمر غريباً بالنسبة للرئيس دونالد ترامب الذي يخرج علينا كل طالع صبح بجديد في الداخل الأميركي، وفي العلاقات الدولية، لكن ذلك لن يغير من الواقع الجديد الذي يظهر، ويبزغ في العلاقات الدولية، والذي تحاول قوى الهيمنة الغربية منعه بأي شكل من الأشكال.
وإذا كان حلفاء واشنطن المهزومون والمأزومون يحاولون إعادة إنتاج دورهم في المعادلة السورية، فأعتقد أنهم فقدوا الدور والقدرة على التأثير مع تهاوي أدواتهم العميلة والمرتزقة، فالمجموعات الإرهابية بمختلف تسمياتها، تتساقط في كل مكان باعتبارها الأدوات الميدانية التي استخدمت لتنفيذ مشروع تقسيم سورية وفدرلتها، سواءٌ أكانت مجموعات ذات عنوان ديني، أم مجموعات ذات عنوان إثني، ففي كلتا الحالتين لا أفق لمشاريع التقسيم والتفتيت.
أما الواجهات السياسية لهذا المشروع فقد بلعت ألسنتها في ليلة العدوان، وكانت تعتقد بعد سبع سنوات من العدوان المستمر أن معلميها في الغرب سوف يدمرون كل شيء ليأتوا بهم إلى كراسي الحكم في سورية بصفة مرتزقة وأتباع صغار لتنفيذ ما يطلب منهم، وهذا الوهم الذي عاشوه اندثر مع بقايا صواريخ الـ«توماهوك»، ليعريهم أكثر، وليكشف قباحة وجوههم، وسقوطهم الأخلاقي، والسياسي المدوي، وظهورهم كعملاء وخونة لوطنهم وشعبهم.
الوضوح في الكلام أوجهه أيضاً لأصحاب مشاريع الفدرلة والإدارة الذاتية في شمال سورية لأقول لهم: الأميركي لن يبقى طويلاً، وسيحزم حقائب جنوده مهزوماً مدحوراً وكعادته يترك أدواته خلفه، ويبصق عليهم لأنهم فشلوا في تحقيق أهدافه وغاياته، ومن ثم عليكم الاستحمام بمياه الفرات عشر مرات لكي تتطهروا من دنس مرحلة العمل مع الغزاة والمحتلين، والتوجه نحو أبناء وطنكم وشعبكم للعمل معه من أجل مستقبل سورية المستقلة السيدة الحرة، والتأكد أن من يعول على أوهام لن يحصد إلا الأوهام.
في الرابع عشر من نيسان الجاري، أسقط السوريون أوهام مشاريع التقسيم والفدرلة، من خلال إسقاط صواريخ العدوان، ومن ثم كل من لم يفهم المعادلات الجديدة، ننصحه ألا يتذاكى على أحد، وألا يناور علينا، فالزمن قد يطول قليلاً، والمناورات قد تستمر بعض الوقت، لكن الواهمين يجب أن يستيقظوا قبل فوات الأوان، وقبل ترحيلهم مع مشاريعهم المشبوهة بالباصات الخضراء أو السوداء، لا فرق.