مجلس أمن دول أم دولي

نشأ النظام الدولي الحالي مع نهاية الحرب العالمية الثانية وعنوانه الرئيسي مجلس الأمن الدولي، وأنيط بالمجلس حفظ وصيانة الأمن والسلم الدوليين والحيلولة دون حدوث عدوان على أي دولة ذات سيادة ومساعدتها في مواجهة

 

ذلك إضافة إلى أنه نشأ على قاعدة التوازن في القوى الدولية وعدم الاستفراد في قرارته من قبل دولة دون غيرها أي رفض فكرة الهيمنة وتكريس فكرة التوافق في القرارات التي تصدر عنه التي يفترض أن تصدر وفق الدور الوظيفي للمجلس أي حفظ الأمن والسلم الدوليين وآية ذلك ميثاق الأمم المتحدة.‏

وإذا استعرضنا تاريخياً الدور الذي اضطلع به مجلس الأمن نجد أن أغلب قراراته طغى عليها ما يتوافق مع مصالح القوى الكبرى وأجنداتها ولا سيما الدول دائمة العضوية فيه وهي التي تمتلك حق النقض أو الفيتو وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي سعت دائماً لتطويع المجلس لما يخدم مصالحها ومشاريعها وتتعامل معه وكأنه أحد أذرع وزارة الخارجية الأميركية وليس منظمة دولية مستقلة عن إرادة أعضائها لا بل أن أميركا كانت لا تتوانى عن الانسحاب أو وقف التمويل عن أي منظمة دولية لا تستجيب لإرادتها ولعل أقرب مثال على ذلك ما فعلته مع منظمة اليونسكو مؤخراً.‏

إن فكرة الهيمنة على المشهد الدولي بما فيه المنظمات الدولية استراتيجية أميركية وهي ليست حديثة العهد بل تفترش التفكير السياسي الأميركي منذ عشرات السنين ولعل ما شهدته جلساته فيما تعلق بالأزمة في سورية هو المثال الحي على ذلك فالواضح تماماً أن أميركا وحلفاءها الغربيين ولا سيما بريطانيا وفرنسا تعملان وتسعيان لتحويل المجلس إلى شاهد زور وغطاء لنزواتهما ومشاريعهما الاستعمارية أو للانتقام من قوى ودول بعينها للتعويض عن الفشل والهزيمة في ميادين عسكرية وغيرها.‏

إن محاولات تحويل مجلس الأمن إلى غرفة اتهام للدول التي لا تسير في الركب الأميركي والغربي سيفقده أي دور مستقبلي يتعلق بمهامه ويجعله بحكم المستقيل وبإرادة مؤسسيه على وجه التحديد.‏

إن مستقبلاً غير مبشر ينتظر الكثير من المنظمات الدولية بما فيها مجلس الأمن إن بقيت الأمور تسير على هذا المنوال أي تقديم مصالح القوى الكبرى على حساب المصالح والحقوق المشروعة للعديد من دول العالم خارج الدائرة الأوربية الضيقة ما يستدعي تحرير المجلس وقراراته من سطوة الكبار واعتماد نصوص ميثاقه مرجعية وبوصلة وراشدة لقرارته لا غيرها ما يجعل دول العالم تشعر بالاطمئنان لدوره واحترامها للقرارات التي تصدر عنه وفق المرجعية الافتراضية المشار إليها وفي حال استمرار السجالات والمماحكات الاستعراضية التي تشهدها أروقته أو ما يشاع عن مساومات وصفقات سياسية تجري وراء كواليسه فهذا يؤذن بشر مستطير ينتظر الكثير من المغفلين واللاهثين وراء سراب الشرعية الدولية.‏

إن فقدان الثقة بالمنظمات الدولية وتراجع أو نهاية دورها وهو ما يتمناه البعض في دائرة الكبار سيدخل العالم والمجتمع الدولي إلى حالة من الفوضى الدولي،ة ما يجعله يعيش حالة من الخوف واللا استقرار حيث تفرض القوة منطقها بشكل فج وعلني، أي حلول شريعة الغاب بدل الشرعية الدولية وهذا يفسح المجال واسعاً لعودة حمى الاستعمار التي تستبطن وعي الكثيرين في مطابخ القوى الاستعمارية التي ما زالت تملك ذات الشهية للتوسع والسيطرة والنهب وهنا يصبح القطار العالمي متجهاً نحو الماضي مستدعياً ثأراً لا حضارة ورقياً وثمن ذلك شلالات من الدماء.‏