بين كيميائي بريطاني وكيميائي أميركي

حفل الأسبوع المنصرم بأحداث عسكرية ودبلوماسية مهمة لا بد من التوقف عندها وضرورة البحث في خلفياتها نظراً لأهميتها وذلك في محاولة لتفكيك شيفرة مجريات الأحداث ومدى انعكاسها على سورية والمنطقة برمتها.
مع إطلاق الجيش العربي السوري إشارة البدء باستعادة السيطرة على منطقة الغوطة وتحريرها من الفصائل الإرهابية المتمركزة فيها التي بدورها تتلقى أوامرها المباشرة من غرفة عمليات الموك في العاصمة الأردنية عمان حتى برزت ملامح انتصار الجيش العربي السوري خصوصاً بعد انهيار الجسم العسكري التابع للفصائل الإرهابية، أدركت كل من واشنطن وتل أبيب كما أدركت دول نفط الخليج خسارة أهم أدوات الضغط على دمشق وخروج منطقة الغوطة من حساباتهم واستنفاد كل وسائلهم الهادفة إلى استنزاف وابتزاز دمشق سياسياً وعسكرياً.
ومع استمرار تقدم الجيش العربي السوري باسطاً سيطرته على مساحات واسعة من الغوطة برز عودة نغمة الترويج لملف استعمال الأسلحة الكيماوية إضافة إلى العزف على وتر البراميل المتفجرة وبث أفلام هوليودية مستعينة بمساحيق ماكياج متقنة تحكي عن تعرّض المدنيين في منطقة الغوطة للمذابح لتبرير دعوة مجلس الأمن للانعقاد واتخاذ التدابير اللازمة بحق الدولة السورية.
بيد أن الدبلوماسية السورية في مجلس الأمن برئاسة الدكتور بشار الجعفري الذي نجح في كشف بالدليل القاطع والمعلومة الموثقة زيف ادعاءات نكي هايلي مندوبة أميركا في مجلس الأمن التي تدعي كاذبة باستعمال الجيش السوري غاز الكلور في حربه على الفصائل الإرهابية في الغوطة.
عدم استجابة روسيا لطلب أميركا وحلفائها بالضغط على دمشق من أجل وقف عملية الغوطة يعتبر مؤشراً مهماً على إصرار دمشق في تنفيذ تحرير كامل الغوطة من الفصائل الإرهابية مهما كلف الأمر، وإن إتمام عملية التطهير لن يتعدى أسابيع قليلة لتدخل دمشق مرحلة إستراتيجية جديدة تعتبر الأهم وتصب في مصلحة سورية على الصعيدين السياسي والعسكري نظراً إلى خطوط التماس التي تربط منطقة الغوطة وامتدادها مع فلسطين المحتلة والأردن.
إذا نستطيع القول إن معركة الغوطة صارت قاب قوسين أو ادني من الحسم لصالح الجيش العربي السوري.
وبما أن روسيا لم تستجب لطلبات أميركا وإسرائيل المتكررة في الضغط على دمشق معللة ذلك بأن ما تقوم به سورية هو محاربة التنظيمات المصنفة إرهابية وأن من حق دمشق الدفاع عن أراضيها وأن روسيا تعتبر ما تقوم به سورية هو شأن سوري داخلي، ولم تكتف روسيا بهذا الموقف بل إنها ذهبت بعيداً في الدفاع عن سورية معلنة وعلى لسان الرئيس الروسي ڤلاديمير بوتين أن روسيا سترد بقسوة على أي اعتداء تتعرض له روسيا كما أنها ستدافع عن حلفائها وبالعزم نفسه.
لم تستسغ أميركا وإسرائيل مجريات الأمور خصوصاً لجهة دحض مزاعم واشنطن الممجوجة باستعمال المواد الكيميائية وعدم التجاوب الروسي مع المطلب الأميركي الداعي إلى وقف تقدم الجيش السوري في الغوطة إضافة إلى الموقف الروسي الحازم في الدفاع عن دمشق في حال تعرضها لأي هجوم عسكري من واشنطن أو إسرائيل ما شكل رسالة سمعت أصداؤها في كل من واشنطن وتل أبيب فكان لا بد من البحث عن ملف يؤدي إلى معاقبة روسيا سياسيا واقتصادياً وخصوصاً أن موسكو وهي عشية انتخابات رئاسية وعلى أبواب حدث رياضي اقتصادي كبير وهو انطلاق مباريات كأس العالم لكرة القدم للعام 2018 التي تستضيفه ملاعب روسيا.
استفاقت وسائل الإعلام الدعائية التي تسبح في الفلك الأميركي على خبر بريطاني يتهم روسيا بتسميم الجاسوس المزدوج سيرغي سكريبال بمادة كيميائية تم تطويرها في موسكو ما دفع برئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي لاتخاذ خطوات بريطانية تصعيدية بحق روسيا أدت إلى طرد 23 من دبلوماسيي سفارة روسيا في بريطانيا إضافة توجيه دعوة لمجلس الأمن للاجتماع وفرض العقوبات اللازمة على روسيا.
روسيا لم تتأخر فقد دحضت كل المزاعم البريطانية وردت بالمثل بطرد 23 من دبلوماسيي سفارة بريطانيا في موسكو وبذلك دخل البلدان أزمة دبلوماسية سياسية تعتبر الأعنف في تاريخ العلاقات بين البلدين.
ومن خلال قراءة متأنية لسياسات الدول الداعمة للإرهاب في العالم والعاملة على تقسيم بلادنا الهادفة إلى نهب ثرواتنا العربية والمؤيدة للاحتلال الإسرائيلي لأرضنا العربية، جميعها تتشارك في تجهيز وتلفيق ملف معين عند الطلب يجري الترويج له في الزمان والمكان المناسبين ضد أي بلد يقف في صف الحق لمواجهة مخططات الغرب الساعي إلى ترسيخ أحادية التحكم بالنظام العالمي.
إن ادعاء بريطانيا إلقاء المسؤولية على روسيا في ملف تسميم الجاسوس المزدوج سيرغي سكريبال من دون أدلة ثابتة قاطعة هو ادعاء باطل تم تلفيقه في دوائر أميركا وبريطانيا وإسرائيل الهدف منه منع روسيا من تثبيت مركزها المتصاعد في النظام العالمي الجديد بالمنطقة والعالم للنيل من روسيا وسمعتها ومن دورها الفاعل في محاربة الإرهاب الذي كشف خفايا النيات الأميركية البريطانية الإسرائيلية في مساعدة ودعم وتمويل الإرهاب في العالم واستثماره طبقاً للمصالح الأميركية الغربية الإسرائيلية.
إن ملف ادعاء بريطانيا استعمال روسيا مواد كيمائية متطورة في تسميم الجاسوس المزدوج هو ملف شبيه إلى حد التطابق مع ملف ادعاء أميركا وإسرائيل استعمال الجيش العربي السوري للأسلحة الكيمائية ضد الفصائل الإرهابية في الغوطة.
وبين الكيمائي البريطاني ضد روسيا والكيمائي الأميركي ضد سورية تبقى سورية العروبة الشيفرة العصية على التفكك.