عن حرب الاستنزاف في سورية بالوكالة

منذ أن أحبطت محاولات الدول التي شنّت الحرب على سورية لإسقاط الدولة السورية، ونقل سورية من دولة مستقلة وجزء من منظومة المقاومة والممانعة، وتحويلها إلى دولة تابعة للولايات المتحدة. ومنذ أن تراجعت مخططات تقسيم سورية على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية، بعد تحرير الجيش السوري لكلّ من حلب ودير الزور، منذ ذلك الوقت بدأت الاستراتيجية الأميركية تركز بالدرجة الأولى على إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق جملة من الأهداف، من بين هذه الأهداف استنزاف قدرات الجيش السوري والدولة السورية، واستنزاف روسيا وإيران داخل سورية. وكانت مراكز الأبحاث الأميركية تزيّن لصانعي القرار في الولايات المتحدة هذا الخيار وتقدّمه بوصفه أفضل أنواع الاستراتيجية الواجب التزامها للتعويض عن الفشل في إسقاط الدولة السورية.

لكن يبدو أنّ هذه المقاربة في سبيلها إلى التبدّل في ضوء تأثير مجموعة من العوامل أبرزها أنّ موازين القوى الميدانية تعمل في سورية في مصلحة الجيش السوري وحلفائه، وقد جرى التعبير عن ذلك في استمرار العمود البياني الذي يؤشر لانضمام المزيد من المناطق السورية إلى سيطرة الدولة بالتصاعد، وبات الرهان على تحقيق انتصار من قبل المسلحين وداعميهم رهاناً لا يستند إلى حسابات واقعية، حيث تراجعت الآمال بتحقيق أيّ انتصار أمام تصميم الجيش السوري وحلفائه على تحرير كلّ المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات لمسلحة. عامل آخر لا يقلّ أهمية عن العامل الأول هو أنّ أيّ استنزاف سيكون استنزافاً متبادلاً، ولن يتكرّر سيناريو أفغانستان في سورية. لأنّ الولايات المتحدة تتواجد أيضاً عسكرياً في سورية وقواتها معرّضة للاستنزاف مثل القوات الروسية والإيرانية، وطبعاً السورية المستهدف الرئيسي من قبل الولايات المتحدة بحرب الاستنزاف هذه، مع فارق أنّ سورية وحلفاءها هم الأقوى ميدانياً في سورية وقدرتهم على استنزاف الولايات المتحدة أكثر فاعلية في ضوء انشغال حلفاء واشنطن في المنطقة بحروب وصراعات أخرى مثل حرب اليمن، والصراع بين تركيا وأكراد سورية، وتركيا وما يخيّم على علاقات أنقرة مع حلفائها من توتر لا سيما مع الولايات المتحدة ودول الناتو.

هذا التقدير توصّل إليه «ماكس بوت» في مقاله المنشور في «واشنطن بوست» و«بلومبيرغ نيوز سرفيس» حيث قال حرفياً «يوماً ما كنت أتعاطف مع الخطة التي طرحها كينيث بولاك، زميل معهد أميركان إنتر برايز، لمساعدة جماعات التمرّد السورية على استنزاف الإيرانيين والروس، أما الآن فلا أرى أنّ مثل هذه الخطة يمكن أن تفيد في شيء». لماذا يعتقد ذلك، يجيب على هذا السؤال قائلاً «مثل هذه المساعدات تكون منطقية عادةً عندما يكون لدى المتمرّدين، كما الحال في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، فرصة واقعية للخروج منتصرين، أما الآن فلا يجوز بأيّ حال من الأحوال استخدام السوريين كوقود للمدافع، في صراع يدور بين قوتين عظيمتين، وعندما لا يكون لديهم أمل في النصر».

بعد هذا الكلام هل ما هو أبلغ لجهة إفلاس الرهانات الأميركية في سورية؟!