العنصرية الثقافية

لم يتعرض شعب من شعوب العالم لمؤامرة واستهداف كما هو حاصل للشعب السوري فالواضح تماماً أن مصلحة السوريين ورغباتهم هي في ذيل أجندات القوى التي تدعي كذباً حرصها على دمائهم وتباكيها على

 

ما تعرضوا له من قتل وإرهاب وتشريد وتدمير لكل ما أنجزوه خلال عقود من الزمن بسواعدهم وعقولهم وعرق جباههم ولعل حالة اللامبالاة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع ما جرى ويجري من إرهاب وقتل وتدمير في سورية أمام أعين الجميع حيث يكتفى بعقد اجتماع لمجلس الأمن تتبادل فيه التهم بدعم الإرهاب والاستثمار فيه بين الأطراف المتنافسة أساساً على مناطق نفوذ لها في دول العالم والتي لا تتوانى عن اتباع كل الأساليب الشرعية وغيرها في سبيل تحقيق أجنداتها وأحلامها الإمبراطورية على حساب دماء الشعوب وأمنها واستقرارها وسعيها لحياة أفضل لمستقبل أبنائها.‏

إن حالة اللامبالاة التي يتعامل بها الغرب تحديداً جراء ما يجري في منطقتنا من قتل وإرهاب له مغذياته الخارجية بل ومحفزاته وحاضنته يطرح سؤالاً عريضاً ليس في البعد السياسي للمسألة بل في بعدها الفكري والثقافي وهل انتقلت عدوى الأطماع السياسية إلى الجسم الثقافي والفكري فهذا يضعنا أمام عنصرية سياسية تتغذى على خطاب ثقافي استقطابي.‏

لقد أصبحت الحروب الداخلية والفتن عبر التحريض والاستثمار في القوة الناعمة هي الوسائل الأكثر استعمالاً في الوقت الراهن تستخدمها القوى الكبرى عبر إعلامها ونخبها الرجعية ما يوفر لها فرصاً حقيقية في التدخل وسوقاً لتصريف السلاح وأدوات القتل بحيث تتحول تلك الحروب والصراعات مادة الاستثمار والاستهلاك لعولمة متوحشة لا يعنيها سوى كسب المزيد من الأموال بهدف تحقيق أكبر تراكم رأسمالي يعاد تدويره لمصلحة الشركات الكبرى في ثنائية المركز والأطراف.‏

لقد حاول بعض كتاب الغرب ومنظريه إضفاء طابع الصراع الثقافي والديني لما جرى ويجري بين الشرق والغرب ومحاولة اختصار الشرق الإسلامي بالتنظيمات المتطرفة وهو أمر مؤسف حقاً ويضع الداعين إلى الحوار بين الثقافات في مأزق صعب إضافة إلى أنه يوفر ويعطي الحجة لمروجي مقولة صراع الحضارات لاستمرار العزف على تلك الأوتار ما يزيد الأمور تعقيداً ولقد حذر المفكر العربي الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد من ثنائية اقنومية بين شرق وغرب تقود إلى مزيد من الكراهية حاول الفكر الاستشرافي تجذيرها في الوعي الجمعي الغربي على قاعدة المركزية الأوربية وتفوق الإنسان الغربي محذراً من تداعياتها وآثارها الكارثية على الجماعة الإنسانية وهنا تبرز الحاجة إلى أنسنة الخطاب الثقافي وابتعاده عن كل أشكال التمحور حول الذات والتعالي على الآخر لأن تاريخ البشرية هو خلاصة تجربة إنسانية منذ أن وجد البشر على هذه البسيطة فهم شركاء في إنتاج الحضارة الإنسانية غرمها وغنمها.‏