الانزياح نحو الهاوية

تأخرت بريطانيا في اللحاق هاتفياً بالرئيس الأميركي كما فعل الفرنسي والألماني، وإن لم تكن بحاجة فعلياً، وهي التي اعتادت أن تكون ساعي بريد للحروب الأميركية، وفي أقلها الناقل الحرفي لأمر العمليات الأميركي حين تقتضي الحاجة ذلك، وعللت ذلك بانشغالها في إنجاز المهمة الموكلة إليها داخل مجلس حقوق الإنسان،

 

والتي أنتجت قراراً يشبه سياستها ويتطابق مع نهجها في التضليل الإعلامي والدبلوماسي ومتخماً بالتسييس الفاضح، الذي ينزع عن القرار كل ما يتصل بالبعد الإنساني بعدما رفضت الأخذ بأي من التعديلات الروسية .‏

لكن جاء الاستدراك معللاً ومحملاً بكثير من الشروحات الإضافية المسهبة، في وقت كان ينحو فيه المشهد الإقليمي والدولي باتجاه الاستعصاء أكثر مما يميل نحو الانفراج والتهدئة، على وقع ممارسات وسياسات وخطط ومخططات تعكس حالة القلق السياسي، التي تكاد تنسحب على مختلف المقاربات الآنية والمستقبلية، والتي تشي برفع السقف من قبل منظومة العدوان إلى حدود غير مسبوقة، وتقديم مقاربات تستعد للحرب أكثر مما تتجه نحو التفاهم.‏

هذه الأحكام تكاد تفرض نفسها على مختلف الأجندات السياسية للمنظومة باعتبارها تقرع طبول المواجهة، كما هو الحال في الواقع الميداني المحكوم بما هو أبعد من النيات الناتجة عن محاكاة افتراضية تبالغ في قصفها التمهيدي، والتي تتعارض مع منطق الأحداث وتخالف ظروف المشهد وتداعياته، خصوصاً مع هذا الكمّ الهائل من الصراعات التي لا تتوقف بأي حال من الأحوال على المواجهات الكبرى أو على نقاط الاشتعال المحورية، بل تتجه نحو شمولية تكاد تفرض إيقاعها السياسي والدبلوماسي على مختلف التشكيلات المتصلة بواقع العلاقات الدولية.‏

فالأمم المتحدة تواجه وضعاً لم تصل إليه في ذروة التجاذبات الكبرى، يوازيها تدهور في العلاقات الدولية البينية لا يقتصر على أقطاب المشهد في الغرب والشرق، ويحاكيها بالمستوى ذاته من التدهور الصياغات الناتجة عن استيقاظ النزعات الانفصالية، باعتبارها الحامل الموضوعي لمشاريع الغرب والناتج الطبيعي لعودة نغمة الأطماع الاستعمارية ومحاولة الهيمنة الغربية مع استلاب دور المنظمات الدولية، التي تحولت إلى ساطور مسلّط على الدول والشعوب معاً، إذا لم تكن على مقاس تلك الأطماع.‏

وبين هذا وذاك تتناوب مشاهد من الرعونة السياسة التي تحكم معظم المقاربات الغربية، وتتقاطع مع صيغ الهيمنة.. وصولاً إلى الحماقة التي تستنفد معظم الخيارات المطروحة للتفاهم أو الحلول الوسط، فتستبعد أي إمكانية للولوج في المنحنيات المزروعة في سياق العجز السياسي والإرث المتراكم من جبروت وطغيان الغرب على مجمل مدخلات السياسة ومخرجاتها، بدءاً من العلاقة بين الأمم المتحدة وقوانينها وميثاقها، وليس انتهاء بأصول التعاطي مع النظام الأساسي لمفرزات ما بعد الحرب الباردة، مروراً بكل هذا الكمّ من الاستهداف الأرعن للدول واستقلالها ووجودها.‏

وعلى المنحى ذاته كانت لغة التصعيد السياسي تأخذ بعداً أكثر حدة وتتجه من خلاله الدول الوظيفية إقليمياً ودولياً نحو اصطفاف تبالغ فيه الامتثال لموجبات التمترس والتخندق مع لغة أكثر عدائية، انسجاماً مع التحضيرات الجارية من حشد القوات واستعراض العضلات، وصولاً إلى مناورات يعرف القاصي والداني أنها ليست للنزهة، ولا هي لمجرد اختبار للذات، بقدر ما تحمل رسائل متخمة بالتهديد والوعيد، حيث العالم يقف على حافة الهاوية، رغم التطمينات غرباً وشرقاً أن أي شيء من هذا القبيل غير وارد، من دون تقديم إجابة واحدة على السؤال المركزي: ماذا لو انزلق بعض الحمقى وسط هذا الهذيان السياسي والعسكري؟!‏

الأخطر ما تقدمه الرواية الغربية من انزياح في التورية لمقارباتها المختلفة، وتجيير المشهد باعتباره تحصيل حاصل لأكاذيب لا تتردد في تبني مقدماتها الأساسية على قصص وحكايات الإرهابيين ورعاتهم، ومايحصل في الغوطة يصلح كعينة في ظل هوس أميركي باستعادة زمام المبادرة والعودة إلى التفرد بالمشهد الدولي مهما كان الثمن، والأشد خطراً أنها لا تتردد في استغلال أي منصة للقصف المباشر على ركائز وحوامل الاستقرار الدولي، حتى لو كان الطريق يوصل إلى الهاوية.‏