آذار الثورة

الثورة هي فعل تغييري مركب الاهداف وواضح النتائج يدفع باتجاه حياة افضل للمجتمع، ولعل ما يمنح الثورة شرعيتها ومشروعيتها هو جماهيريتها واهدافها وما يتحقق منها على الارض من انجازات حقيقية تشكل تحولا عميقا في المجتمع على الصعيدين المادي والبشري.

والثورة هي عمل وطني خالص فكرة واداة ونهجا وهوية، واذا اسقطنا هذا التعريف على ما شهدته سورية منذ صبيحة الثامن من آذار عام ١٩٦٣ وما اعقبها من انجازات غيرت وجه سورية السياسي والاقتصادي والاجتماعي نجد أن فعل الثورة وتوصيفها مطابق لذلك في صيرورتها وسيرورتها التاريخية.‏

إن احياء ذكرى الثورة يجب أن لا يقف عند حدود ما حققته من انجازات وتنشيط الذاكرة الوطنية باستحضار مسارها التاريخي بخطوطه ومنعرجاته وتضاريسه فقط، وإنما بطرح السؤال المحوري: هل الثورة كفعل وانجاز وهوية مستمرة ومحافظة على هويتها وجمهورها وقادرة على الاستجابة لكل التحديات التي تطرحها مسيرة حياة المجتمع واستحقاقات الاجيال المتعاقبة والتحولات الحاصلة في المجتمع والبيئة الدولية على وجه العموم وما يرتبه ذلك ويستدعيه من حاجة للاصلاح وربما التغيير في المقاربات والصيغ والاليات والتحالفات وغيرها من ادوات قيادة المجتمع والسلطة كي تحافظ على زخمها وتجددها ولا تتحول الى فعل ماض وحديث ذكريات، وبعبارة أكثر وضوحا الثورة كشف حساب وسؤال مركب ماذا انجزت وما المطلوب انجازه راهنا ومستقبلا؟ إن استغراق الثورة بالماضي والتغني بما تحقق دونما تقديم كل ما تستوجبه حركة المجتمع من حاجات للتجديد، يدخل الثورة في شرنقة وتكلس وجمود فكري قاتل، ولعل هذا هو ما ادركته قيادة البعث بما توفر لها من قيادات تاريخية استطاعت أن تتعامل مع تحديات الواقع بذهنية الانفتاح والقدرة على الحفاظ على روح الثورة والتكيف الخلاق مع متطلبات الظرف التاريخي.‏

قراءة موضوعية لتاريخ ثورة الثامن من آذار يبرز بشكل واضح الانجازات التي حققتها على كافة الصعد الداخلية والخارجية، ولعل انجازها الكبير تمثل في استمرارها محافظة على هويتها العروبية والمقاومة والمنتمية على الرغم من كل التحديات التي واجهتها سواء على الصعيد الداخلي او الخارجي ولاسيما ما يستهدفها راهنا من ارهاب متحالف مع قوى خارجية، ناصبت حركة التحرر العربي والفكر القومي عموما عداء غير مسبوق، والى جانب ذلك واجهت الثورة تحدي بناء مجتمع جديد في ثقافته وانتمائه ومستوى معيشته والارتقاء بمستويات وعيه ونقله من حالة الجهل والامية والفقر الى المعرفة والعيش الرغيد والانتماء لقضايا الامة، ولاسيما قضيتي فلسطين وتحقيق هدف الوحدة العربية الحلم الذي دغدغ مشاعر الجماهير العربية لقرنين من الزمن ولايزال.‏

إن ما اعطى ثورة الثامن من آذار كل هذه القدرة على الاستمرار هو أنها جاءت من بين صفوف الجماهير وحملت مشروعا وطنيا وقوميا اكتسب بعدا جماهيريا وطبقيا واسعا ليس على مستوى الساحة السورية وإنما على مستوى الساحة العربية، اضافة لتصالحها مع ما اطلقته من أهداف وتحويلها الى انجازات على كافة المستويات ولاسيما البناء الاجتماعي والاقتصادي وانحيازها الصادق للجماهير الكادحة وتحقيقها لطموحاتها وتلبية متطلباتها ودفاعها عن قضاياها وتبنيها لها. والى جانب ذلك امتلكت ثورة آذار قدرة فائقة على الاستجابة للتحديات التي تفرضها مسيرة الحياة والمجتمع والقدرة على تجديد افكارها وصيغ عملها وآلياته دونما تخل عن مبادئها الاساسية وايديولوجيتها القومية الاشتراكية والمبادئ الواردة في دستور البعث ومنطلقاته وادبياته وارثه النضالي.‏

والى جانب ذلك استطاعت ثورة اذار أن تعرف نفسها كهوية سياسية وايديولوجية وما يستتبعه ذلك من شركاء وحلفاء واعداء على المستويين الداخلي والخارجي ما جعلها بغير حاجة الى الترحل بين النظريات والافكار او توسل اجابات من قوى خارحية لاسئلة يطرحها الداخل وتحدياته، وهذا لم يمنعها من الانفتاح على الآخر والاستفادة من تجاربه ولكنها لم تكن على قطيعة مع تراثنا الثر دون أن ترى فيه صندوقا لكل الحلول، فشكلت قاسما مشتركا بين الاصالة والمعاصرة واتجهت نحو المستقبل بثقة يعززها النجاح، ولم تصب ثورة آذار بالجمود والتكلس وجفاف حوضها السياسي فاشتغلت على المشترك السياسي والوطني منذ قيام الحركة التصحيحية المباركة التي قادها القائد المؤسس حافظ الاسد الذي زاوج بين جاذبية الفكرة وعملانية الممارسة والتجربة والانطلاق من عالم الفكر الرحيب الى الواقع بتعقيداته وبنيته وتركيبته وايجاد المعادلات الواقعية بين هذه وتلك والانطلاق من المصلحة العامة معيارا للنجاح او الاخفاق على قاعدة أن افضل الأفكار هي تلك التي تجد مرتسماتها على الواقع ومردودها العملي الذي تلمسه الجماهير لا ذلك الذي يلهب مشاعرها ويبقى في دائرة الحلم او الوهم.‏

إن اتباع منهج التوفيق بين المبدئية والواقعية هو الذي يفسر الى حد بعيد حفاظ الثورة على زخمها اضافة لما جرت الاشارة اليه. ولاشك أن تجديد الثورة وتجدد انجازاتها ومقاربتها للواقع وهندستها للمجتمع عبر متقابلة الاجيال العمرية والفكرية هو الذي اضفى عليها زخما وقوة وهو ما يسم السنوات الست عشرة الماضية من قيادة السيد الرئيس بشار الاسد الذي اتبع منهج الانفتاح والتجديد الاقتصادي والسياسي والفكري والمجتمعي بهدف ايجاد ذهنية ذات حساسيات وطنية لا حزبية منغلقة وتكريس فكرة الجيل الفكري لا العمري ليمتلك اهلية الريادة بالاقتناع والانجاز وليس بالالتزام الاعمى، ما يعني تجديد صورة الحزب وافكاره ما يكسبه جمهوريا واسعا خارج دائرة الحزب التنظيمية، ما يعني بالنتيجة الانعتاق من دائرة الحزبية الضيقة الى الفضاء الوطني الرحيب، وهنا تكمن ركائز القوة الحقيقية لثورة الثامن من آذار وقوة دفعها الاضافي.‏