الفيتو الروسي في اليمن

هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا حق الفيتو في مسألة لا تتعلق بالحرب الدائرة في سورية.

واضح أنّ استخدام روسيا الفيتو ضدّ مشروع قرار سعى إلى توجيه الاتهامات إلى إيران، من دون أدلة، بزعزعة استقرار اليمن والمنطقة، قد أثار حفيظة الولايات المتحدة بقوة كبيرة وهو ما دفع ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن إلى تهديد روسيا، حيث قالت حرفياً «نحن لن ننسى أعمالهم التي لن تبقى دون ردّ». واضح أنّ السياسة الأميركية في المحافل الدولية باتت تتحدّد على النحو الآتي، كلّ دولة لا تسير في ركاب السياسة الأميركية على عماها، كما يقول المثل الشعبي، ستعاقب، تماماً مثلما هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب كلّ دولة تصوّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضدّ قراره بنقل السفارة الأميركية إلى القدس بمعاقبتها.

لكن عندما يوجه التهديد إلى دولة بحجم روسيا بقوّتها العسكرية التقليدية والنووية، وبدورها التاريخي المعروف على مدار قرون كثيرة، لا بدّ من التوقع أنّ جنون العظمة بلغ في الولايات المتحدة مستوى يذكّر العالم بجنون العظمة الذي قاد ألمانيا هتلر إلى الحرب المدمّرة، مع فارق أنّ القدرات التدميرية التي يملكها العالم اليوم كفيلة بإزالة الحياة من على وجه الكرة الأرضية، وهو الأمر الذي يجعل الحروب العالمية الشاملة على غرار الحرب العالمية الثانية من الأمور المستحيلة.

على أية حال ليس هذا هو الأمر المهمّ في استخدام روسيا الفيتو ضدّ مشروع غربي مكرّس للبحث في الأوضاع اليمنية. فهذا التصويت لم يكن موجهاً ضدّ أيّ طرف من الأطراف اليمنية المتحاربة بدليل أنّ المشروع الروسي البديل تبناه مجلس الأمن بالإجماع، ولم يشكل انحيازاً إلى طرف ضدّ الطرف الآخر، الفيتو الروسي في اليمن موجه ضدّ الحكومات والسياسات الغربية في مسألة الموقف من إيران، ومقاربة الفوضى الدموية التي تعصف بأكثر من بلد عربي.

وهو بهذا المعنى يبعث برسالة قوية للحكومات الغربية، بأن عصر النظام الدولي أحادي القطب الذي لا تكون الكلمة فيه إلا للحكومات الغربية، وتحديداً الولايات المتحدة، وتوظيف المؤسسات الدولية وفي مقدّمتها مجلس الأمن لخدمة أغراض هذه السياسة الأحادية قد ولى.

اليوم أيّ قضية ذات طابع دولي تبحث في مجلسي الأمن لن يصدر بشأنها أيّ قرار إذا لم تكن مقاربة هذه المسألة موضع توافق بين الدول الغربية، وبين روسيا والصين، ولم تعد المسألة مصالح محدّدة تحرك السياسة الروسية في هذا البلد أو ذاك، بل هي سعي جدي لإعادة التوازن إلى النظام الدولي وإعادته إلى الروح التي تأسّس من خلالها بعد الحرب العالمية الثانية.