تيلرسون في تركيا.. عندما يصيب الجيش العربي السوري رأس «ناتو»

قَبل أمس قالَ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في تصريحاتٍ صحفية إن الولايات المتحدة تخطِّط للبقاء في سورية إلى الأبد، لافروف أكد أن الإستراتيجية التي ستتبعها الولايات المتحدة هي القيام بعزلِ جزءٍ من الأراضي السورية بالاتفاق معَ من تعيّنهم كحكوماتٍ محلية، وبالارتكاز على المكون الكردي.

في الإطار العام يبدو الكلام الروسي مكرّراً، لأنه ما مِن عاقلٍ يتوقع بأن الولايات المتحدة جاءت إلى سورية لتخرجَ منها بالتفاوض، لكن الجديد أن هذه التصريحات تلت الزيارةَ التي قامَ بها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى تركيا؛ زيارةٌ اعتبرتها الصحافة ومراكز الدراسات الغربية أنها الأهم في تاريخ العلاقة بين البلدين على الأقل في العشرين سنة الماضية، مسوِّغين لذلك بأهمية رأب الصدع وإعادة ترميم العلاقة نتيجةً لما يسمونه إعلامياً «حال التوتر» الذي شاب العلاقات بين الطرفين على خلفية التمسك الأميركي بدعمِ الانفصاليين الأكراد في الشمال السوري، ولعلَّ الأدق هو ترميم العلاقة بين البنتاغون وطموحاته العسكرية من جهة، وتركيا من جهةٍ ثانية، هذا الأمر وإن كان ينطبق أيضاً على ما نشدد عليه دائماً وهو الخلاف بين البيت الأبيض والبنتاغون إلا أن قيام الخارجية الأميركية بهذه المبادرة لابد وأنه يرتكز إلى معطياتٍ جديدةٍ، فكيف ذلك؟

منذ أن بدأ العدوان التركي على زيتونةِ حلب «عفرين»، شكَّل الصمت الأميركي مادةً دسمةً لإطلاق التحليلاتِ والتوقعات، هناك من ذهبَ مثلاً للحديث عن عمليات تغيير ديموغرافي تريد الولايات المتحدة إكمالها بالاتفاق مع الأتراك بعد عملية «غصن الزيتون»، بحيث يتم ترحيل الأكراد نحو الشرق والمجيء بالمكون العربي غرباً، لكن هذا الكلام الغربي الناتج عن جهل بالطبيعة الديموغرافية للمنطقة لا يمكن له أن يكون منطقياً إلا إن كان معكوساً بطريقةٍ تجعل عفرين كانتوناً كردياً خالصاً، لكن بالنهاية فإن هذا الأمر لا يخدم الأميركيين، فعفرين في إطار أولوياتهم الجيوسياسية تساوي صفراً، أما الحديث عن جعل الشمال الشرقي لسورية كردياً خالصاً فهو بالنهاية أمرٌ مستحيل، والمشكلة أن البعض كذب الكذبةَ وصدقها، تحديداً في الحديث عن الأكثرية والأقلية للمكونات السكانية في الشمال السوري والتي تعطي بطريقة مغلوطة للأكراد أغلبيةً لا يمتلكونها، لذلك بدا هذا الصمت الأميركي ناتجاً عن عدةِ نجاحاتٍ سعت إليها الولايات المتحدة بهدوء، منها مثلاً إمكانية حدوث صدامٍ مباشر بين الجيش العربي السوري والجيش التركي وهو ما لم يحدث حتى الساعة، وحرمَ الولايات المتحدة من فرضية التدخل لدعمِ «دولةٍ عضو في الناتو»، والنقطة الثانية هي إمكانية أن تشكِّل هذه العملية نقطة خصامٍ بين الروس والإيرانيين من جهة، والأتراك من جهةٍ ثانية، وهو كذلك الأمر لا يبدو أنه متاح في الأفق تحديداً أن الروس الذي رأوا أن الانفصاليين الأكراد لربما «خذلوهم» أكثر من مرةٍ اكتفوا مثل الإيرانيين ببيانات الشجبِ والإدانة دون تصعيدٍ دبلوماسي ضد النظام التركي.

أما النقطة الأهم فهي إرضاء النظام التركي من تحت الطاولة بإطلاق يدهِ لمعاقبةِ الانفصاليين الأكراد، لأنها تعي تماماً أنها لا تستطيع السيطرة على كل الشمال السوري ويكفيها المنطقة الممتدة شرق نهر الفرات لتكونَ نقطةَ ارتكازٍ طويلة الأمد، لكن ما لم يكن في الحسبان أن معاقبة أردوغان للانفصاليين انقلبت عليه وكل ما نجح فيه النظام التركي هو ضرب المدنيين وتدمير الحجر والبشر كما فعل التحالف الدولي في الرقة، وسرقةِ حتى صفائح الزيت والزيتون من بيوت المدنيين، وباتت جثث الجنود العثمانيين الذين سقطوا على يد أبناء المنطقة المدافعين عنها، بدعمٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ من الجيش العربي السوري أكثر من أن تعد، أي إن الولايات المتحدة فشلت عملياً بتحقيق أي هدفٍ يمكن لهُ بالنهاية أن يكونَ نقطة مضافة لتعميق نجاحاتها في الشمال السوري، بل وقد لا نبالغ إن قلنا إن إسقاط الجيش العربي السوري لطائرة إف 16 الإسرائيلية كان بمثابة الضربة القاصمة التي وضعت الناتو بشكلٍ عام أمام مفترقِ طرق، إما أن يلملموا أزماتهم ويعودوا للتوحد، أو أن التفكك بالأهداف والمصالح سيعني حكماً أن الآت من هزائم سيكون أعمق، وعليه فإن هدف الزيارة الأميركية لم يكن فقط لتصحيح الكوارث التي جاءت بها سياسة البنتاغون، واستعادة أردوغان نهائياً من الحلف الروسي الإيراني الجديد، بل تعدتها لإنقاذ الناتو بشكلٍ عام فما يثبت ذلك؟

أولاً: نجح الأميركيون وعبر الأتراك ذات نفسهم بتوقيف عجلة العمليات العسكرية في ريف إدلب، ووقف التقدم السوري بذريعةِ العودة لاتفاق مناطق وقف التصعيد، الاتفاق وإن كانت مدته ستة أشهر قابلةً للتجديد إلا أن الأميركي رآها فرصًة لتحجيم الجيش العربي السوري عن إمكانية استعادة المزيد من الأراضي، بل كانت فرصة جديدة للأتراك ذات أنفسهم للحفاظ على ما تبقى من إدلب لتعويمها كورقة في مقترحات الحلول القادمة، وهم فعلياً بدؤوا بتفريغ مطار تفتناز لاستخدامه كقاعدةٍ جويةٍ تكون شبيهة بالقواعد الأميركية ودائماً الذريعة واحدة وهي محاربة الإرهاب، بالإضافة لذلك فإن الأتراك ذات أنفسهم يقودون حرب تصفيةٍ لقيادات التنظيمات الإرهابية التي لا تتبع لها ولا تلتزم قراراتها، منها مثلاً مقتل المسؤول الإداري في عصابات جبهة النصرة الإرهابي»أبو أيمن المصري»، بعد إطلاق النار عليه من حاجزٍ لـ«حركة نور الدين الزنكي».

ثانياً: نجح الأتراك عملياً بإعادة تعويم فكرة المناطق الآمنة التي كانت ولا تزال حلماً يراود أردوغان، الأميركيون كانوا منذ فترة قد عادوا لهذه النغمة، أما المطالب التركية اليوم فهي تشترط دخول قوات مشتركة أميركية وتركية إلى منطقة منبج، عندها يكون الأتراك أشبهَ بحرس الحدود الذي يمنع قيام كانتون كردي، إلى الآن لا يبدو أن الأميركي سيرفض هذا المقترح، بل إن هذا الكلام يجعل من منبج وريفها منطقة حظرٍ جوي بأسلوب جديد، تحديداً إن كانت هذه العملية وهذه الطمأنات ستبعد التركي عن الروسي، عندها سيكون السؤال موجهاً للقيادات المحلية من عشائر وانفصاليين أكراد: هل مازلتم تصدقون أنفسكم بأنكم لاعبون أم ورقة؟

ثالثاً: شكلت هذه الزيارة مفتاحاً لوقف التوتر التركي الأوروبي المتصاعد، تحديداً أن الأتراك بدؤوا فعلياً خطواتٍ بهذا الاتجاه، فهم مثلاً أطلقوا سراح الصحفي الألماني ـ التركي «دنيز يوجيل» وذلك بعد أكثر من عامٍ على اعتقاله من دون محاكمة، وهو ما بدا فعلياً نتيجةً لوساطة أميركية، أما القطب الآخر في الاتحاد الأوروبي وهو فرنسا فإن ما يتم تداوله من معلوماتٍ عن استقبالها للإرهابي «طلاس السلامة» متزعم ميليشيا «أسود الشرقية» المدعومة من تركيا لا يأتي فيما يبدو في إطار هذا الاستيعاب لتركيا فقط، بل يتعداها للحديث عن مستقبل الشمال الشرقي لسورية، تحديداً أن وصول هذا الإرهابي إلى العاصمة باريس مرتبط باجتماعات عشائرية وقبلية سيتم من خلالها البحث في بدائلَ لإمكانية التزام الأميركي بطرد وحدات حماية الشعب من ميليشيا قوات سورية الديمقراطية، واستبدالها بمكونٍ عشائري معظمهم من الدواعش السابقين، أي إن الناتو بشكلٍ عام بدأ يتحسس الخطر الوجودي وهو الآن يسعى انطلاقاً من الشمال السوري لتحولات لابد لنا من النظر إليها بأهمية كبيرة، فماذا ينتظرنا؟

بدا واضحاً من المجريات السابقة أن الأميركي قدم الانفصاليين الأكراد في عفرين على مذبح لملمةِ جراح الناتو، لكن ما هو أوضح أيضاً أن لملمةَ هذه الجراح لن تقف عند عفرين فقط بل سيتعداها ليشمل ما هو أبعد من ذلك والفكرة بسيطة:

إذا كانت أميركا تريد الشرق السوري قاعدة ناتوية ترصد فيها بالاتجاهات الثلاثة كل من إيران وسورية وروسيا، فإن الولايات المتحدة لا يهمها بالنهاية ما هو المكون الذي يحكم هذه المناطق ويضرب بسيفها، بمعنى إن اقتضت مصلحة الناتو بأن يتم إعادة إنتاج ميليشيا قوات سورية الديمقراطية بمسمى ومكون لا يكون عليه فيتو من النظام التركي فإن الأميركي ليس جاهزاً للتضحية بهم فحسب، بل جاهزٌ لكي يسلم قيادات الانفصاليين الأكراد في هذه الميليشيا للنظام التركي بتهمة «التخطيط للانقلاب»، لأنه في جميع الأحوال لم يخسر شيئاً حتى الآن، الخسارة هي عند من لا يزال يرى بأن رجب طيب أردوغان صديق أو حليف، وربما هذا ما عناه لافروف بالحديث عن بقاء الأميركي للأبد، لكنه لربما لم يصبْ في تحديد مرتكزات الوجود الأميركي لأنه قطعاً لن يكون من الانفصاليين الأكراد، وبمعنى آخر فإن هذا البقاء بات حاجة ناتوية أكثر منها أميركية.

هي بكل الأحوال لعبة شد العصب التي يقودها الأميركي وتتشابك خيوطها بين برلين وباريس وأنقرة والنتيجة واحدة: جميعنا الآن في خطر، لكنهم وإن كانوا يبحثون عن كل ما يمكن تسميته خططاً بديلة، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي خطط الحلف المقابل البديلة؟

الجواب بسيط: دعوهم يخططوا بهدوء، فمن كان منكم يتوقع أنه سيستيقظ ليشاهد حطام الطائرات الإسرائيلية؟!