قِبلَة قرار الأحرار

في العام 1954 تم التوصل إلى توقيع اتفاقية بين مصر وبريطانيا قضت بإنهاء الانتداب العسكري البريطاني لمصر وجلاء القوات البريطانية عنها، وفي العام 1956 تم تنفيذ الاتفاقية إلا أن البريطانيين احتفظوا ببعض من ضباطهم في مصر بحجة إدارة قناة السويس، بيد أن الهدف الحقيقي للحجة البريطانية هو الإشراف على نهب ثروات مصر ومنع المصريين من التقدم والتطور وبناء الذات كي تبقى مصر عاجزة متخلفة عن إدارة شؤونها واقتصادها، لكن الزعيم جمال عبد الناصر قرر تحرير إيرادات قناة السويس وكف يد البريطانيين عنها واستعادة إيرادات القناة لكونها تشكل المورد الرئيسي من العملات الصعبة لمصر، وبناء علية اتخذ عبد الناصر قراراً تاريخياً في العام 1956 معلناً عن تأميم قناة السويس واعتبارها شركة مساهمة مصرية بالكامل ما حرم البريطانيين من استكمال نهب ثروات مصر العربية.
إلا أن البريطاني وبعد 73 عاماً من الانتداب وفرض الأوامر والإملاءات وممارسة سرقة ونهب ثروات مصر لم يستطع هضم وجود زعيم عربي مثل عبد الناصر تجرأ على رفض الإملاءات والإغراءات البريطانية وتمكن من اتخاذ قرار تاريخي بتأميم قناة السويس واستعادة مدخولها لمصلحة مصر وشعبها.
ورغم تنفيذ البريطاني لاتفاقية جلاء آخر عسكري عن أرض ومياه مصر إلا أن دوائر القرار البريطانية قررت العودة عسكرياً إلى مصر والقيام بهجوم عسكري يؤدي إلى إعادة احتلال قناة السويس رداً على قرار عبد الناصر.
وفي العام 1956 شنت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هجوماً عسكرياً على الجمهورية العربية المتحدة عرف بالعدوان الثلاثي الشهير وذلك انتقاماً من الزعيم العربي عبد الناصر وقراره التاريخي بتأميم قناة السويس.
إلا أن عبد الناصر رفض كل التسويات والمفاوضات بتقاسم مدخول القناة واتخذ قراراً مجيداً بمقاومة العدوان الثلاثي قيادة وجيشاً وشعباً حتى آخر مواطن أو آخر جندي أو ضابط مصري وكان لعبد الناصر ما أراد ونجحت مصر قيادة وجيشاً وشعباً في دحر العدوان الذي توج بالإعلان عن انسحاب القوات الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية عن ضفة قناة السويس وصحراء سيناء وهكذا انتصر القرار المصري بمقاومة أشرس مؤامرة عليها لتدخل مصر عهد القرار الحر.
في نهاية العام 2011 وفي عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما السابق تم تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين العراق وأميركا القاضية بجلاء القوات الأميركية عن الأرض العراقية وذلك بعد نجاح ضربات المقاومة العراقية بطرد الأميركيين من العراق، بيد أن أميركا لم تستطع هضم فكرة ترك العراق حراً من دون نهب ثرواته فإذا بالرئيس الأميركي دونالد ترامب يصرح معلناً ندمه على ترك العراق وثرواته وبأنه يبيح استعمال جميع الأساليب التي تتيح عودة القوات الأميركية للعراق والسيطرة على ثرواته النفطية.
ومع الإعلان عن دخول المنطقة حرب النفط والغاز فإن المشهد اليوم بات واضحاً ويفصح عن أسباب الحرب العالمية على سورية العروبة.
إن ما تواجهه سورية الأسد اليوم هو سيناريو مطابق لما واجهته مصر عبد الناصر في 1956 لكن باختلاف الأدوات والأساليب، ففي الخمسينيات قامت إسرائيل باستعمال فرنسا وبريطانيا لشن العدوان على مصر بغطاء أميركي من أجل عودة القوات البريطانية إلى مصر والسيطرة على قناة السويس بدعم أميركي، أما في سورية فإن أميركا ترامب استعملت وجيرت كل شياطين الإرهاب في العالم بتنسيق إسرائيلي وبدعم المال الخليجي بهدف تدمير وتفتيت سورية، وذلك لإتاحة الفرصة مجدداً أمام أميركا للعودة العسكرية إلى المنطقة تحت عنوان مكافحة الإرهاب المصنوع في أميركا وإسرائيل والمدعوم خليجياً، وللسيطرة على مناطق الثروة النفطية في سورية ومنعها من التطور والتقدم وجعلها غير قادرة على اتخاذ قرار محاربة العدو الإسرائيلي واستعادة الجولان المحتل الذي يختزن ثروة نفطية هائلة.
إن نجاح الدفاعات الجوية السورية في إسقاط طائرة إف16 الإسرائيلية ليس حدثاً عسكرياً وحسب بل إنه حدث على مستوى عال من أهمية القرار الإستراتيجي الذي امتلكته القيادة السورية واحتفظت به بالمقاومة والدفاع عن سورية وثرواتها وفلسطين وقدسها مهما كانت التضحيات رغم الحرب الكونية على أرضها.
إن قرار القيادة السورية نجح في إنشاء بنية صلبة في مواجهة ومقاومة العدوان الأميركي الإسرائيلي ليس في سورية فقط بل في كل المنطقة الداعمة لمحور المقاومة.
في لبنان جولات مكوكية لمسؤولي الإدارة الأميركية عنوانها التهديد والوعيد إذا حاول لبنان استخراج ثرواته النفطية لكن الرد الشافي جاء سريعاً مطمئناً صادراً عن سماحة سيد المقاومة حسن نصر الله حيث قال: إذا نفذ الأميركي والإسرائيلي تهديده فإننا بالمقابل اتخذنا القرار بالمقاومة وتنفيذ تهديدنا بضرب منصات النفط والغاز في فلسطين المحتلة.
إن ملوك وأمراء ورؤساء وزعماء بلادنا العربية تعودوا الخنوع لأي طلب أميركي والقبول بتنفيذه تنفيذاً دقيقاً لأنهم يعتبرون الأوامر الأميركية أضحت مُلزمِة بل مُحكَمة حكماً مبرماً لا مناص من تنفيذها وإن كانت نتائج تلك الأوامر الأميركية لا تتماشى والمصلحة العربية ولا تعكس رغبات الشعوب العربية بأنها تصب في مصلحة العدو الإسرائيلي والحجة التي تذرع بها الحكام العرب بأن إسرائيل تمتلك جيشاً قوياً.
لقد ثبت بالدليل القاطع أن مجرد امتلاك القرار بمقاومة إسرائيل وإن امتلكت الآلة العسكرية الأميركية فإننا سنكتشف أن إسرائيل هي أوهن من بيت العنكبوت، إنما تخاذل ملوك وأمراء ورؤساء العرب عن المقاومة وتآمرهم لمصلحة الأميركي هو السبب الرئيسي في تظهير مزيف للقوة الإسرائيلية.
لا غلو في القول إن سبب صمود سورية الأسد هو امتلاك القيادة فيها القرار الحر بمواجهة العدو الإسرائيلي وإن سبب قوة لبنان هو قرار المقاومة اللبنانية بمقاومة وردع العدو الإسرائيلي.
إن سلاح الموقف سلاح قوي وسلاح الإرادة هو كاسر للمعوقات وسلاح القرار هو الطريق للنصر والحرية وكل تلك الأسلحة هي بحوزة سورية التي أضحت قِبلَة قرار الأحرار في المنطقة.