بـــين قيــم المدرســــــة.. والمجتـــمع

السبت, فبراير 17, 2018 - 3:45pm

البوصلة

 يعيش بلدنا اليوم تحديات ورهانات، في الآن نفسه، بعد أزمة وحرب امتدت لسنوات، على جميع المستويات والأصعدة، إن كانت مسيرة التنمية الاقتصادية وبالاجتماعية أيضا معرفيا وقيميا، بل وعلى مستوى مجالات الحياة كلها، بحيث لا يمكن مواجهة تلك التحديات إلا إذا تشكلت ورشة عمل دائمة تعمل ضمن قيم الحق والعدالة على الصعيد السياسي والاجتماعي،ثم قيم الحوار والتسامح والمحبة على الصعيد الأخلاقي الفردي، وهو الأمر الذي يمكنه أن يساعد على تحقيق الخير المتمثل في تنمية البلد وازدهاره.‏‏

إن مسارات العمل متعددة لكن المدرسة تمثل محركا حقيقيا للتقدم الاجتماعي وعاملاً من عوامل التنمية البشرية، كما أنها مجال حقيقي لترسيخ مجموعة من القيم كالمواطنة والتسامح والسلوك المدني وقيم حقوق الانسان والحوار، وكل ذلك يتكرر في مختلف لقاءات وورشات العمل التي تنظمها الحكومة مع مختلف الوزارات والهيئات وخاصة وزارتي التربية والشؤون والهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، مما يدفعنا للتساؤل عن واقع الممارسة، أو عن العلاقة بين واقع المدرسة ورهانات المجتمع؟‏‏

المدرسة‏‏

إذا كانت المدرسة في بلدنا لعبت دورا هاما بعد الحركة التصحيحية في تحقيق التنافس والتمكين وتحقيق المكانة الاجتماعية مع انتشارها وتحقيق المزيد من مؤشرات التنمية، فإنها اليوم وفي الواقع تتعثر، إن لم نقل تتراجع عن تحقيق ما حققته سابقا، وذلك بعد أن بدأت تفقد مصداقيتها في المجتمع باعتبارها وسطا للاندماج الاجتماعي وهذا قبل الحرب، حيث أضحى النظام التعليمي مجالا لإهدار ثروات المجتمع المادية وطاقاته البشرية، وذلك في المدرسة الخاصة والحكومية، الأمر الذي ترتب عنه تدهور خطير لصورة المدرسة في الوعي الجمعي، بحيث لم يعد ينظر إليها كوسيلة لبناء الانسان النافع والترقي الاجتماعي والمهني، وإنما باعتبارها آلية لتخريج جيش من العاطلين الشباب الذين غالبا ما يخيم عليهم جو من الإحباط والبؤس، نفسيا واجتماعيا.‏‏

كما قلنا هذا قبل الحرب وقد ورد في تقرير حالة السكان الأخير قبل الحرب الذي أنجزته الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان حينها بالتفصيل تردي الخصائص السكانية، فكيف اليوم لعل انتشار السلوكيات السلبية في المدارس اليوم المضادة لمعنى التربية مثل، المخدرات، الغش والعنف، لخير دليل على اجتماع تأثيري الحرب وتراجع المدرسة قبلها، ذات الرهان القيمي، طالما أن محور القيم هو أساس الوجود الانساني العاقل وبفقدانه يفقد الإنسان قيمته.‏‏

المجتمع‏‏

لو انتقلنا إلى المجتمع والعلاقات التي يعيشها الطلاب فيه، وما يرونه من انتشار سلوكيات سيئة كالانتهازية والوصولية، والمحسوبية، وغياب تكافؤ الفرص، لتأكدنا كم مهمة المدرسة صعبة، وأن ما يحصل كفيل بأن يعوق مسيرة المجتمع وتقدمه إلى مرحلة المدنية التي تتخذ من قيم الحرية والديمقراطية والعدالة، مرتكزا لها بدل قيم العشيرة والقبيلة، التي تتحدث التوصيات عن ضرورة تجاوزها للنهوض بالمجتمع من جديد وتجاوز آثار الأزمة التي عشناها في السنوات السبع الماضية.‏‏

إن ما يعيشه المجتمع له أثره على المدرسة والمجال التربوي عامة، لن ننقل صورة سوداوية ونقول فقد المواطن ثقته بالمؤسسة الحكومية ومنها التربوية، لكن نؤكد على العلاقة الجدلية بين المدرسة والمجتمع وأن أي عمل أو تخطيط يكون اهتمامه مقتصرا على واحد من طرفي المعادلة وهذا سيبوء بالفشل لا محالة، وعليه فإن إصلاح المجتمع والذهاب به بعيدا في مسيرة التنمية التي نحلم بها وننتظرها يجب أن يمر من خلال إصلاح بوصلته، التي هي المدرسة، وذلك من خلال تزويد المتعلم- أي مواطن المستقبل- بمجموعة من الكفايات والمهارات، بل والمعارف العلمية والتكنولوجية، من أجل الانخراط في التنمية الداخلية والخارجية، الوطنية والدولية، مع الحرص على إكسابه قيماً إيجابية تجعل من قبول الآخر والاعتراف به كاختلاف ومغايرة غايتها ودعامتها الأساسية، إن الحديث عن تنمية اجتماعية ومدرسية شاملة لا يصح إلا بالانسجام والتوافق مع تكوين المدرسة ومتطلبات المجتمع ورهاناته.‏‏