في الزمان والمكان المناسبين

انتظرناه طويلاً إنه حدث ليس عابراً أو عادياً إنه الخبر العاجل الذي ملأ شاشات العدو الإسرائيلي معترفاً بأن وسائط الدفاع الجوي التابعة للجيش العربي السوري نجحت في إسقاط طائرة حربية إسرائيلية من نوع F16 إنه حدث نوعي في المضمون والشكل والسياق التاريخي للصراع مع إسرائيل.
إنه حدث هو أقل من حرب وأكثر من رد موضعي بل هو حدث دفن المعادلة التي كانت قائمة في المنطقة إلى غير رجعة وفرض معادلة جديدة تعزز انتصارات سورية الإستراتيجية إنه الحدث الذي أسقط أسطورة التفوق لسلاح الجو الإسرائيلي، إنها صفعة سياسية وعسكرية إستراتيجية سمع صداها في كل من واشنطن وتل أبيب وتركيا وصفق لها كل من موسكو وإيران.
إنه ليس يوماً عادياً إنه يوم تاريخي ومفصلي في تاريخ الصراع المفتوح بيننا وبين العدو الإسرائيلي لأن ما بعد إسقاط الطائرة الإسرائيلية ليس كما كان قبله، إنه القرار السوري الإستراتيجي على مستوى القيادة السورية السياسية والعسكرية إنه الحدث الرسالة لمن يهمه الأمر ولكل من سمع صوت الصفعة السورية بوجه العدو الإسرائيلي ورسالة لكل من موّل وسلّح وجمع كل طواغيت وشياطين وإرهاب الأرض في سورية بهدف إسقاطها وتقسيمها وتفتيتها للقول إننا نحن في الجمهورية العربية السورية جيشاً وشعباً وقيادة ها هنا، قمنا من تحت الركام والحطام واسترددنا عافيتنا ولن نكتفي بالرد والدفاع بل إننا في سورية العروبة انتقلنا من مرحلة التصدي والدفاع إلى مرحلة الردع والهجوم إنه الحدث الذي يقول لكل المتآمرين إننا في الجمهورية العربية السورية واليوم تحديداً هو يوم تنفيذ القرار السوري الإستراتيجي بالإطاحة بكل خطوطكم الحمر وبإسقاط كل قواعد الاشتباك السابقة وبفرض قواعد جديدة وبشروط سورية.
إنه الحدث المكمل لانتصار لبنان في حرب العام 2006 حيث نجحت المقاومة اللبنانية بتوجيه الضربة القاسية لسلاح البحرية الإسرائيلية حين نجحت بإغراق البارجة ساعر 5 كما نجحنا في تدمير الميركافا درة تاج سلاح البر الإسرائيلي واليوم في العام 2018 تم تنفيذ القرار السوري الإستراتيجي القاضي برسم قواعد جديدة وبشروط القيادة السورية وجيشها بعد الإعلان عن إسقاط درة التاج في سلاح الجو الإسرائيلي لتتكسر بذلك كل المعادلات العسكرية، وبذلك تكون سورية قد استكملت مسلسل إسقاط الهيبة الإسرائيلية في البر والبحر والجو خاصة حين استفاقت إسرائيل على صوت انفجار الصواريخ السورية فوق فلسطين المحتلة تشاهد عبر شاشات التلفزة صورة حطام الطائرة الحربية الإسرائيلية وإصابة الجبهة الإسرائيلية الداخلية بالذهول والهلع والإرباك إضافة إلى تهشم صورة إسرائيل القوية.
سورية تحينت الزمان والمكان المناسبين لتقول كلمتها لكل العالم وخاصة لأولئك العرب الذين راهنوا على قوة إسرائيل وذهبوا إلى حد التطبيع والتحالف معها بهدف مواجهة سورية وإيران ومحور المقاومة.
سورية بإسقاطها الطائرة الإسرائيلية سجلت نقطة ذهبية في سجلها على جميع مناوئيها في الحرب المفتوحة فيها منذ أكثر من سبع سنوات عجاف.
سورية قالت كلمتها، نحن نفضنا غبار سنوات المؤامرة وها نحن اليوم في سورية تحولنا من الدفاع إلى الهجوم وضربنا كبرياء وتعجرف العدو الإسرائيلي الذي راهنتم عليه.
إن حدث تغيير المعادلة عسكرياً لا بد من صرفه سياسياً خصوصاً أننا عشية اجتماع على مستوى القمة بين روسيا وإيران وتركيا وهي الدول الراعية نفسها لمؤتمر سوتشي الذي نجح في اختراق جدار الصراع الإقليمي والدولي على سورية ما يصب في مصلحة الدولة السورية وشعبها.
لم تتقبل أميركا فكرة نجاح مؤتمر سوتشي فإذا بالأسلحة الأميركية المتطورة تظهر بين أيدي التنظيمات الإرهابية في الشمال السوري لتمكنها من شن غارة فاشلة على قاعدتي حميميم وطرطوس بواسطة 13 طائرة من دون طيار ليظهر فيما بعد سلاح أميركي متطور مضاد للطائرات نجح في إسقاط طائرة السوخوي 25 الروسية ومقتل قائدها وبعدها بأسبوع واحد شن سلاح الجو الأميركي غارة على رتل من الجيش العربي السوري المتقدم في ريف دير الزور في محاولة لوقف تقدمه نحو قواعد التنظيمات الإرهابية في تلك المنطقة وهذا ما دفع وزارتي الخارجية والدفاع الروسية للقول إن هدف أميركا في سورية ليس محاربة الإرهاب بل العمل على تقسيمها والسطو على مقدراتها وثرواتها الاقتصادية.
إذاً تلك الهجمات الأميركية وإسقاط الطائرة الروسية شكلت رسالة أميركية إسرائيلية واضحة بوجه روسيا وسورية مفادها أن أميركا لن تقبل بتسجيل نجاح روسي سوري على حساب أميركا الساعية إلى خلط الأوراق من جديد في سورية لمصلحة أميركا وإسرائيل.
نستطيع القول إن حدث إسقاط F16 الإسرائيلية هو رسالة سورية روسية مزدوجة في الزمان والمكان المناسبين تبلغتها كل من واشنطن وتل أبيب مفادها أننا في سورية غيرنا قواعد الصراع وما بعد سقوط F16 ليس كما قبله وأننا نحن في سورية وإيران وروسيا بتنا نمتلك زمام المبادرة.
إسرائيل لن تستفيق من صدمة السقوط المدوي في وقت قريب وسيمضي وقت طويل قبل تمكنها من تضميد جرحها الغائر هذا إذا بقي لديها الوقت لأن الحدث بحد ذاته سيرخي بثقله السياسي والعسكري على الداخل الإسرائيلي ومن غير المستبعد أن تصاب حكومة العدو بالتصدع والتفجر من داخلها.
صراخ نتنياهو سمع في الكرملين والبيت الأبيض طالباً النجدة والوساطة لإنقاذ هيبة إسرائيل التي أصبحت مهشمة.
نتنياهو سمع من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلاماً قاسياً مفاده يجب على إسرائيل ضبط النفس واحترام سيادة ووحدة الأراضي السورية.
الرسالة السورية الروسية وصلت لمن يعنيه الأمر وقرأها كل من نتنياهو وترامب بإمعان، الرسالة تضمنت العبارة التالية معادلة الصراع القديمة تغيرت وفرضنا معادلة جديدة وأن زمام المبادرة في سورية صار ملك دمشق وموسكو وطهران وعليكم في واشنطن وتل أبيب قبول الالتزام بشروط قواعدنا وإن عدتم عدنا.