عندما تُقرع طُبول الحرب.. الرّد السوري بين المهارة والعبقرية

قيلَ يوماً: أن تكونَ ماهراً يعني أن تُصيب هدفاً لا يصيبهُ أحد، أما أن تكونَ عبقرياً فيعني أن تصيبَ هدفاً لا يراهُ أحد.
بين المهارةِ والعبقرية أطلَّ صباح يوم السبت على السوريين وكأنه فعلياً الإعلان الأول لبدءِ فصلِ الربيع، ربيعٌ لم يحظ من هُم من أبناءِ جيلنا على الأقل أن يعيشوه، ربيعٌ ليس كما تلك الرِّباع المزيفة التي غطَّت أيامنا في السنواتِ الثماني الماضية من تونس وصولاً إلى سورية، ربيعٌ عنوانهُ الأول والأخير لن نضيعَ البوصلة، كلماته خُطت بعرقِ شجعان هذا العصر، وألوانهُ ممزوجةٌ بين دموع الثكالى ودماءِ المظلومين، ربيعٌ تزيَّن بورودٍ شكَّلتها عبارةٌ غزت وسائل الإعلام: «الجيش العربي السوري يُسقط طائرة إف 16 إسرائيلية».
بوركت تلك اليد التي ضغطت على الزناد، وبوركت كلَّ يدٍ ما زالت قابضةً على زنادِ سلاحها أياً كان هذا السلاح، وبوركَ صناعُ هذا الربيع الذي يعني فيما يعنيه خريفاً لأحلامِ شذاذِ الآفاق من حاملي الجنسيةِ السورية ومن يقف خلفهم من دولٍ ومشيخات، إذ ليس من السهل أن تضربَ فتصيبَ مئات الأهداف في آن معاً، الأمر هنا لا علاقةَ له بالمهارة، ولا العبقرية، لكنه مرتبطٌ بأمرٍ أساسي وهو أن تلك الشجرة الخبيثة وإن كانت تُرخي بظلالها على الأراضي المحتلة، لكن جذورها ممتدةٌ إلى ما أبعدَ أبعدَ من «قصرِ اليمامة»، أو «سرايا سلطان العثمانيين الجدد»، وإن كان البكاء فعلياً في بيتٍ هو أوهن من بيت العنكبوت، فإن العزاء عند عناكب الشر التي كانت ولا تزال ترى بالإسرائيلي حامياً لحدائقِ أحلامهم الخلفية، لكن كيف يمكننا قراءة هذا الحدث الكبير وفق المعطى الأهم، وهو آلية تعاطي العدو الصهيوني مع تطورٍ خطير لم يعيشوه منذُ ثلاثين عاماً؟
النقطة الأولى، وهي المرتبطة بحالة التخبط الإسرائيلية لتبرير ما حدث، إذ ما إن انتشر خبر العدوان الصهيوني على بعض النقاط العسكرية في دمشق، والذي انتهى بإسقاط طائرةِ إف 16، حتى سارع جيش الاحتلال لإصدار بيانٍ قال فيه إن الاعتداء الإسرائيلي بالأساس كان نتيجةً لإسقاط العدو طائرة من دون طيار إيرانية حلقت فوق الجولان السوري المحتل.
بالتأكيد كان متوقعاً أن يُقحم العدو إيران في هذه القضية، لكن ما لم يكن متوقعاً هو هذا الغباء في إيراد الحجج، وإلا كيف عرف الإسرائيليون أن هذه الطائرة إيرانية مثلاً ولماذا لا تكون، إن وجدت، تابعة للجيش العربي السوري حتى ولو كانت إيرانية الصنع؟ أي إن الحاجة الإسرائيلية لهذا التسويغ غير المقنع بدا وكأنهُ محاولةً منهم لكسبِ عدة نقاط أهمها الظهور بمظهر الضحية لا المعتدي، كذلك الأمر كان أشبهَ برسالةٍ للروس حصراً بأن رئيس وزراء حكومة العدو بنيامين نتنياهو لم يضرب عرض الحائط بالتزامه الأخير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم التصعيد، أو تصريحاته المُعلنة خلال زيارته الأخيرة لموسكو بأنه لا يسعي للحرب، لكنه ببساطة كان في حالة الدفاع عن النفس، هذا التسويغ لم يكن فقط حكراً على الإسرائيليين، بل إن قنوات البترودولار الخليجية اعتبرت هذا التصريح أساساً لتبني عليه تغطيتها الإعلامية للحادثة، بل تعدتها للقول إن الطائرة المستهدفة كانت تستهدف مواقعَ «إيرانية» في سورية.
لكن وبكل الأحوال فإن التسويغ الإسرائيلي المرتبك بدا كأنه نتيجةً لثقةٍ عمياء بأن السوريين لن يردوا، فتحول هولُ الصدمة لديهم إلى جنونٍ في التسويغات كان مثار سخريةٍ، ولعل أصدقَ تعبيرٍ على التخبط ما قاله الصهاينة أنفسهم إن فرضَ معادلةِ إسقاط طائرةٍ مسيرة مقابل إسقاط طائرة إف 16 هي معادلةُ ردعٍ سيئة بكل المقاييس.
النقطة الثانية وهي مرتبطة بمكان وآلية الاستهداف، إذ إنه منذ بداية الحرب على سورية كان جيش الاحتلال يعتمد باستهدافاته على تحليق الطيران المعادي خارج المجال الجوي السوري، كأن يتخذ من الحدود السورية اللبنانية أو الجولان السوري المحتل مراكزَ لقصف الأهداف في عمق الأراضي السورية، كان اختيار المنطقة التي سيتم من خلالها الاستهداف مرتبطأً بطبيعة الهدف وبعده عن مدى صواريخ «جو- أرض»، هذا الأمر كان نوعاً ما يكبِّل القيادة السورية في التعاطي معه تحديداً أن لبنان الرسمي لا يمكنهُ وقفَ التجاوزاتِ الإسرائيلية على مجالهِ الجوي، لكن بعد حادث الطائرة تبدو إسرائيل غير قادرةٍ على تقديم توضيحٍ مهم، هل تم الاستهداف والطائرة داخل الأراضي السورية، أي إنها كانت في حالةِ عدوانٍ موصوف، أم إن السوريين أصابوها وهي داخل المجال الجوي للجولان السوري المحتل، عندها علينا أن نقول وداعاً للستاتيكو الذي كان قائماً، لكن المعضلة الأهم تتجسد بالآلية التي تم فيها الاستهداف، هل هي حقاً إحدى منظومات الصواريخ التابعة لعائلة «إس» الروسية الحديثة أم صواريخ «سام» المطورة سورياً بجهودٍ وطنية، كلا الاحتمالين يصعب على الإسرائيلي الاعتراف بهما فإذا كانت «إس» هذا يعني أن نتنياهو لم ينجح أبداً في مساعيه لدى الروس بتحييدِ هذه المنظومات، وإن كانت «سام» فإن حالهم يقول هذا ما فعلته المنظومات القديمة فكيف إن تم تفعيل المنظومات الحديثة، هذا كله يعيهِ الإسرائيلي لذلك هو فيما يبدو أراد الاعتراف بأهونِ «الشرين» أي صواريخ «سام»، لأنه ربما أراد إخفاء ما هو أهم لا علاقةَ له بمنظومة «إس» ولا «سام»، له علاقة بسلاحٍ ثالث يجهلهُ الإسرائيليون أنفسهم.
النقطة الثالثة وهي مرتبطة بحجم الخسائر الحقيقية التي تلقاها الكيان الصهيوني: بالإطار العام ندرك جميعاً أن دولةَ الاحتلال هي بالنهاية كيان «سياسي أمني» تتحكم الظروف والحالتان الأمنية والعسكرية بتفاصيلِ ما هو صالح أو غير صالحٍ للنشر، بما فيها تلك التي تتحدث عن خسائر عسكرية، أما عملياً فإن الكيان الصهيوني عندما يضطر للاعتراف بخسائرَ ما فلأنه ببساطة يقدمُ كبش فداءٍ للتعميةِ على خسائرهِ الحقيقية، ليصبح السؤال المنطقي ما هو عدد الطائرات التي خسرها الكيان فعلياً؟ بالتأكيد لن نحصل على جواب فالقضية هنا ليست متعلقة فقط بالخوف من اهتزازِ الجبهة الداخلية الهشة المتمثلة بالمرتزقة حاملي جواز السفر الأزرق، لكنه كذلك الأمر يتعداه لما هو أبعدَ من هشاشة كهذه فكيف ذلك؟
منذ أشهر تتحدث التقارير الصحفية عن انقسامٍ تعيشهُ المؤسسة العسكرية للكيان المحتل بين مؤيدٍ لرغبةِ نتنياهو في الاستمرار باستفزاز سورية عبر استهداف مواقع الجيش العربي السوري بذريعة قصف مخازن أسلحة تابعة لحزب الله، وبين معارضٍ لذلك بذريعة أن هذا الأمر سيفضي بالنهاية لمواجهةٍ لا يستطيع الكيان الصهيوني تحمل تبعاتها، تحديداً أن الحروب السابقة كانت موضعية ومحدودة جغرافياً، كالحرب على غزة، أما اليوم فإن تبعات التصعيد عصية على التنبؤ، بل منهم من ذهب أبعدَ من ذلك للقول إن علينا الوقوف بوجهِ رغبة نتنياهو الهروب من مشاكله الداخلية الأخلاقية والسياسية لفتح جبهات النار علينا، فماذا ينتظرنا؟
كانت الرسالة التي بعثها بنيامين نتنياهو مستجدياً الأميركيين والروس المساعدة لوقف ما سماه «تدهور الوضع» متوقعة، ولو أن العدوان الإسرائيلي مرَّ من دون رد لما تحدث أحد عن معاني «تدهو الوضع»، حتى اللهجة الإسرائيلية نفسها بدا عليها الكثير من التبدل فقبل عامٍ تصدت الدفاعات الجوية السورية لعدوانٍ مماثلٍ وأصابت إحدى الطائرات المعادية بالعطب، يومها خرج وزير الحرب «أفيغدور ليبرمان» بعنجهيتهِ ليدافع عن حق كيانه بمهاجمة الأراضي السورية قائلاً: الرئيس «الأسد وجيشه سيدفعون الثمن إذا تكرر هجوم كهذا»، اليوم فإن طائرته أو طائراتهُ أصبحوا حطاماً ونحن بانتظاره ليجعلنا ندفع الثمن، ولو كان قادراً على ذلك لما سعى رئيس وزرائه للملمة القضية وادعاء عدم السعي للتصعيد، لكنه بالمطلق لا يبدو أن أحد الطرفين اللذين تواسط لديهما قادرٌ أن يقوم بشيء، فالأميركي معتد مثلهُ مثل الإسرائيلي، أما الروسي فهو يتعاطى باحترامٍ للقوانين والأعراف الدولية التي تعطي للسوريين حق الدفاع عن دولتهم، أي إن العدو اليوم أمام معضلةٍ حقيقةٍ فهو إما أن يبتلع الصدمة عندها عليه أن يتوقع ردوداً أبشع إن عاود الكرة، أو يعتبرَ أن موضوع الثأر لهيبتهِ الممرغة بالوحل قادمٌ لا محالة، لكن في كلتا الحالتين فإننا بتوقيت إسقاط هذه الطائرة لا نتحدث عن ماهرٍ تمكن من إصابة هدفٍ لا يصيبهُ أحد، بل نتحدث عن عبقريةٍ أصابت أهدافاً لا يراها أحد، العبقرية ليست فقط في اختيار الزمان والمكان المناسبين بل لأنك بالنهاية تعي أن عدوك أحمق لدرجاتٍ تجعله يقاتل وهو يمتطي أحصنة من خشب، ألم نقل لكم جهزوا حبركم لكتابة التاريخ من جديد، كم هو أصم من لا يسمع طبول الحرب تقرع وسطحيٌ هو من لا يميز بين المهارة والعبقرية!