الحل المستدام بإرادة وقوة الداخل

منذ بداية الأحداث في سورية عام ٢٠١١ انتهجت القيادة السورية نهج الحوار مع كل القوى الاجتماعية والسياسية للوقوف على مطالبها ورغباتها في إطار استكمال وتعزيز عملية إصلاح شامل في البلاد وضمن تلك

الاستراتيجية الوطنية التقى السيد الرئيس بشار الأسد عشرات الوفود من كل أنحاء البلاد وأعقب تلك اللقاءات العديد من الإجراءات والقرارات التي استجابت للعديد من المطالب بما فيها السياسي والدستوري والاقتصادي وتمثل ذلك بتعديل الدستور النافذ آنذاك وصدور قانون الأحزاب بهدف توسيع المشترك السياسي والفضاء الديمقراطي وصدور قانون الإعلام ووقف العمل بقانون الطوارئ وإلغاء المحاكم الاستثنائية إضافة إلى تغيير حكومي واسع وزيادة الرواتب والأجور وتثبيت العمال المؤقتين في مؤسسات الدولة واستيعاب عشرات الآلاف من خريجي الجامعات والمعاهد في الوزارات والإدارات الحكومية وأعقب ذلك دعوة لعقد حوارات على المستوى الوطني شملت كافة المحافظات وتوجت بمؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في فندق صحارى صيف عام ٢٠١١ ومع كل هذا الذي جرى استمرت عمليات الاحتجاج لتتحول إلى دوامة عنف واستهداف لمؤسسات الدولة وترافق ذلك مع خطاب إعلامي تحريضي تصدت له قنوات مغرضة زادت الوضع تأزماً واحتقاناً وبرز الدور السلبي للجامعة العربية التي سطت عليها دول الخليج العربي لتحولها أداة ضغط وابتزاز للدولة السورية وتهديد بنقل الملف السوري للأمم المتحدة ومع ذلك تعاملت الحكومة السورية بإيجابية وانفتاح مع مبادرات الحل السياسي واستقبلت ممثل الجامعة العربية وممثلي الأمم المتحدة المكلفين بالبحث عن حل للأزمة ومع ذلك كله ازدادت الأمور سوءاً حيث تدفقت مجاميع القوى الإرهابية إلى الأراضي السورية ما ساهم في عسكرة الأزمة وتعميقها وزيادة الشرخ بين الساعين للحل وارتفاع منسوب الدم والإمعان قتلاً وتدميراً وتخريباً ممنهجاً في البلاد مع دعم خارجي واضح للخيار العنفي.‏

لقد أبدت الحكومة السورية منذ بداية الأزمة -وما زالت- الاستعداد للحوار مع المعارضة وبسقوف عالية انطلاقاً من المصلحة الوطنية العليا ورغبات الشعب السوري ومرجعيته في الحل بعيداً عن أي ضغط أو إملاءات خارجية وعلى هذا الأساس كانت المشاركة في اجتماعات جنيف بنسخها المتعددة وكذلك آستنه وها هي اليوم ترحب وتدعم مؤتمر سوتشي وترى فيه فرصة إضافية لعملية حل سياسي وطني يأتي استجابة لرغبات السوريين وليس لمطالب ورغبات المعارضة الخارجية التي تعكس إلى حد كبير مصالح قوى دولية وإقليمية لا تريد الخير لسورية وشعبها.‏

إن تعطيل المساعي السياسية للحل ارتبط إلى حد كبير بعوامل خارجية بحكم نفوذ تلك القوى على بعض أطراف المعارضة وتغليبها لمصالحها وأجنداتها على الأجندة الوطنية ورغبات السوريين ومصالحهم ما يعني أن فرص نجاح أي مسعى سياسي للحل يرتبط إلى حد كبير بتحييد العامل الخارجي أو التخفيف منه وهذا إن حصل سيوفر فرصة حقيقية لنجاح العملية السياسية المنشودة المستندة إلى مرجعية وحصرية الشعب السوري في أي مقاربة لحل مستدام يرتكز إلى قاعدة وطنية واجتماعية نواتها الصلبة توافق وطني واسع الطيف ولعل انعقاد مؤتمر سوتشي والمشاركة الفعالة فيه مع توفر غطاء إقليمي ودولي داعم له وتعامل بنّاء مع مخرجاته ستكون اختباراً لكل القوى التي تدّعي الحرص على إيجاد حل سياسي للأزمة التي ثبت للجميع أن لها تأثيرات وانعكاسات سلبية على جميع دول العالم ولا سيما منطقة الشرق الأوسط نظراً لما لسورية من أهمية جيواستراتيجية في المنطقة واعتبارها قاعدة النظام الإقليمي ونقطة ارتكازه الأمني.‏

إن السوريين قادرون على توفير أرضية قوية لحل سياسي وطني توافقي مستدام على الرغم من تعقيدات الأزمة واستطالاتها الإقليمية والدولية وتشابك وتعارض مصالح اللاعبين الدوليين في تضاريسها إن أغلقوا الأبواب والنوافذ على القوى الخارجية أياً كانت تلك القوى من هنا تأتي أهمية أن يضع الجميع المصلحة الوطنية العليا في المقام الأول بعيداً عن أي مصالح وحسابات ضيقة لا تلبث أن تتحول مع الزمن إلى عبء وثمن باهض لا قبل لأحد على تحمل تكاليفها الباهظة حاضراً ومستقبلاً حيث المستفيد الأكبر من استمرار الصراع بأشكاله المختلفة هم أعداء الوطن والأمة والخاسر الوحيد هو الشعب العربي السوري الذي قدم أمثولة في التضحية والصمود والصبر في مواجهة أكبر وأعتى عدوان يشن على دولة بحجم وإمكانات سورية.‏