سنة أولى مع ترامب..!!

يدشّن الرئيس ترامب عامه الأول الذي تطول معه جردة الحساب وتكبر، وتكثر معها المآخذ والانتقادات التي طالت الجوانب المختلفة من قراراته، ولم يسلم منها الداخل الأميركي كما هو الخارج، وربما كانت أكثر قسوةً على حلفائه وأدواته منها على خصومه وأعدائه،

 

فتكثر العناوين التي تتزاحم على تصدُّر قائمة الأحداث التي سجلتها السنة الأولى من حكم ترامب، والأكثر منها تلك التي تجوز فيها المقارنة بين العالم مع ترامب كرئيس، والعالم من دونه، حيث يتعزَّز الشعور بأنَّ ما يجري يأخذ العلاقات الدولية إلى موضع آخر، حيث اللائحة تطول بالإجراءات التي أعلنها، ويغلب عليها طابع التحدي والاستفزاز.‏

وجاء الإعلان عن الإستراتيجية الأميركية الجديدة وعقيدة الحرب الأميركية لتزيد الطين بلةً، حين لم تكتفِ بالنزوع نحو محاكاة للحروب الافتراضية، بل خطا باتجاه التحضير اللوجستي والعملي الذي يوقظ سباقاً نحو الإنفاق العسكري بشكل يتجاوز ما جرى خلال عقدين من الزمن على الأقل، ويفتح الباب على مصراعيه باتجاه محاكاة للحرب والصراعات من زاوية لم يدرج عليها الخطاب الأميركي منذ ثمانينات القرن الماضي، وتحديداً ما يتعلق بالعودة إلى إدراج مصطلح الدول الرجعية، الذي أقفل عنه الخطاب الأميركي منذ عقود طويلة.‏

اللافت أنَّ التوجه الأميركي لم يعد محصوراً في سياق ما أضافه ترامب من تعقيدات على المشهد العالمي، وإنما يشمل سياسات وإستراتيجيات محمولة على فكر يغالي في تقمُّص طقوس الحرب الباردة ومفرزاتها الثقيلة على العلاقات الدولية، حيث باتت سياسة المؤسسات الأميركية على نحو شمولي، ولا تخفي جوانب سعيها الحثيث لعودة الهيمنة الأميركية من بابها العريض، بما تحمله من حنين لسياسة الاستلاب التي أبرزت جوانب القصور الأميركي في فهم المتغيرات الدولية والنزوع العالمي نحو تعدد الأقطاب بصورة لا سابق لها.‏

فالحنين إلى التفرد الأميركي.. والشعور المتزايد لدى المؤسسة العسكرية الأميركية بتآكل القوة الأميركية والحاجة الفعلية لعودة الإحساس بالفارق بين الإمكانات الأميركية التي لا أحد يشكك بامتلاكها عوامل تفوُّق واضحة، وبين القوى الصاعدة على المسرح الدولي، والتي تحاول أن تبتعد بقدر الإمكان عن الاحتكاك المباشر -رغم اليقين الدولي- بأنَّ هذا الاحتكاك ليس ببعيد على ضوء المقاربة الأميركية التي تحاول استعادة جبروتها الضائع بحكم ما يواجه المؤسسة العسكرية من قرائن يستدل منها على تضاؤل الفارق الذي كان قائماً قبل عقد من الزمن.‏

يضاف إليه حالة النزوع الأميركي باتجاه افتعال حالات النزاع مع المجتمع الدولي ومؤسساته، وإقدام الرئيس ترامب على الانسحاب من معاهدة المناخ والتهديد بالانسحاب من اليونسكو، وصولاً إلى قيادة السياسة الأميركية بعقل الشركة التي تفتقد لجبروت القوة العظمى ومواصفاتها السياسية، وممارسة أقصى درجات الابتزاز السياسي للدول والمجتمعات على حدٍّ سواء،وسط عجز متفاقم يؤخر إقرار الميزانية الاتحادية وما تفرضه من تحديات.‏

الأدهى أن تخرج مكافحة الإرهاب من لائحة التهديدات الإستراتيجية الأميركية، بعدما بالغت في استنزاف الدول وممارسة أقصى حالات الاستلاب تحت هذه الذريعة، وهي التي كانت قد استثمرت فيها على مدى عقود، وتحت لوائها شنَّت حروباً وافتعلت معارك، وتحت يافطة محاربة الإرهاب غزت دولاً وقادت المنطقة إلى الخراب والدمار، بعد أن استثمرت فيه حتى النهاية.‏

سنة.. كانت كافية للإجابة عن الأسئلة المحرجة، وفي مقدمتها: لماذا تتصدر أميركا قائمة الدول الأكثر خطراً على المستوى العالمي؟ وربما كانت أيضا كافية لفهم أبعاد السياسات التي تبحث من خلالها أميركا التفرُّد بالعالم، وحنينها إلى الأحادية القطبية التي تقودها إلى مجاهيل السياسة الدولية، وتوصل العلاقات الدولية إلى الدرك الذي تواجه فيه أشد فترات تأزمها صعوبةً، وخصوصاً أنَّ المحسوم على المستوى العالمي كون هذه الأحادية تتجه نحو الأفول، سواء قبلت أميركا بذلك أم لا، وسواء اعترفت وأقرَّت أم كابرت وعاندت، وما ذهب يستحيل أن يعود، وما أفل من الصعوبة استعادته.‏