سوريا تصعّد بمواجهة أميركا وتركيا

في الوقت الذي تمضي فيه أميركا بمشروعها في المنطقة، تبدو تركيا أكثر إصرارًا من أي وقت مضى، فكلا الطرفين يشعران بحجم الخسارة الناتجة عن تمكن سوريا بمساعدة حلفائها من استعادة عشرات آلاف الكيلومترات المربعة من الجغرافيا السورية وتحقيق الهزيمة العسكرية بتنظيم "داعش" الإرهابي الذي راهن عليه كلٌّ من أميركا وتركيا، وقدّما له كل أشكال الدعم المباشر وغير المباشر وهي أمور لم تعد خافية.
ففي حين تفتش أميركا عن ذريعة تبقيها على الجغرافيا السورية، تحذو تركيا حذوها، وذريعة أميركا "داعش" كمخاطر لم تنتهِ بعد، وذريعة تركيا الإرهاب الكردي. المنطلقات الأساسية لكل من أميركا وتركيا هي الأطماع التاريخية لتركيا في الشمال السوري والأهداف الأميركية في المنطقة وسوريا تحديدًا.

من المفيد قبل الدخول في توصيف الوضع الحالي التذكير بأن أميركا عندما أطلقت "الفوضى الخلّاقة" كانت تستهدف تفتيت سوريا وتقسيمها الى دويلات متنازعة، لكنها لم تفلح عبر أدواتها الإرهابية التي ارتدت زيّ الدين من تنفيذ مآربها، لهذا تعمل أميركا الآن على محاولة الوصول الى أهدافها عبر تحقيق حالة انقسام بعنوان عرقي – قومي، بدعم الإنفصاليين الأكراد ومحاكاة احلامهم التاريخية بإقامة وطن كردي قد يكون ممكنًا في العراق وايران وتركيا، ولكنه من المستحيلات في سوريا لعدم توفر اسباب وعوامل قيام هذا الوطن، حيث الجغرافيا والديموغرافيا معًا عاملان مضادان نظرًا للأكثرية العربية الموجودة في منطقة الوطن المزعوم.

في العنوان الرئيسي، تُدرك القيادة الأميركية ان مشروع إقامة كانتون كردي في سوريا بات أمرًا صعبًا وخاسرًا، ولهذا ينصبّ جهدها حاليًا على تحقيق خسارة مضاعفة بالدولة السورية من خلال استمرار الفوضى الى اطول أمد ممكن، فمزيد من الخسارة للدولة السورية يخدم من وجهة نظر أميركا ابعاد المخاطر عن الكيان الصهيوني.
باعتقادي، فإنّ اميركا تعيش مرحلة سوء تقدير للموقف هو امتداد لكل المراحل السابقة ولكنها ستظل تحاول طالما تمتلك الأدوات والإمكانيات لتحقيق هدف استمرار الفوضى كبديل عن التفتيت والتقسيم، ولهذا السبب تدعم أميركا حرس الحدود المنوي انشاؤه والذي استفزّ الأتراك كما استفزّ الدولة السورية، وهو العامل المشترك بين تركيا وسوريا على الرغم من النزاع الكبير بينهما.
تركيا بدورها صعّدت تهديدها بشكل غير مسبوق وبدأت بحشد قواتها في محيط منطقة عفرين، وأعلنت عن نيّتها تصفية الإرهاب الكردي بحسب ما تسمّيه، وذريعتها التهديدات التي يشكلها الأكراد على الأمن القومي التركي.

حقيقة الأمر مختلفة تمامًا عمّا تروجه كلّ من أميركا وتركيا، فالمواقف الصادرة عن وزير الخارجية الأميركي تيلرسون واضحة شديدة الوضوح، وهي أنّ انسحاب الجنود الأميركيين سيقوّي الرئيس الأسد وهو ما لا ترغب به اميركا.
بالنسبة لتركيا، شكّلت الإنجازات التي حققها الجيش السوري صدمة كبيرة من خلال توجيه ضربة كبيرة لـ"النصرة" والجماعات الإرهابية الأخرى، وما التهديد بضرب عفرين إلّا محاولة ابتزاز تريد تركيا من خلالها وضع مصير إدلب مقابل عفرين، في محاولة لوقف عمليات الجيش السوري.

على مدى سنوات الحرب، كانت البيانات السورية شديدة اللهجة ولكنها لم تحمل ترجمة عملية على شاكلة ما ورد اليوم على لسان نائب وزير الخارجية السوري بتوجيه رسالة واضحة للأتراك، بأنّ طائراتهم ستكون معرضة للسقوط اذا ما انتهكت المجال الجوي السوري وقامت بقصف اهداف داخل سوريا، وهو بحد ذاته موقف سيجعل الأتراك يتريثون ويتراجعون عن تنفيذ تهديداتهم، وسيدفعهم الأمر الى التروي وفتح قنوات اتصال مع الجانبين الروسي والإيراني والعودة الى الحلقة السابقة حتى لا تفقد تركيا دورها كوسيط في التسوية، ولا يدفعها اكثر باتجاه العودة الى السابق واعتبارها طرفًا من المفترض ان تعهداتها في استانة وخلال اللقاءات العديدة مع الروس والإيرانيين اخرجتها منه كطرف وادخلتها في مرحلة الوسيط والضامن.
بما يرتبط بحرس الحدود الكردي، فالرسالة قد تكون عبر عمليات مقاومة وطنية سورية على حرس الحدود والقوات الأميركية، دون ان تتبنى الحكومة السورية الأمر علنًا ولكن بإمكانها ادارته، وهو اذا ما حصل سيعجل في مغادرة الجنود الأميركيين ويُبقي الأكراد في مواجهة تركيا.

في المحصلة، وبالنسبة للأكراد الذين يعيشون تهديدًا جديًا يمكنهم تحويل التهديد الى فرصة من خلال تسليم مناطقهم للجيش السوري سواء في منطقة عفرين او في المنطقة الشرقية الشمالية، لأنهم اذا أعملوا العقل قليلًا سيجدون أنّ الخاتمة الطبيعية لهم هي العودة الى حضن الدولة السورية، بفارق ان عزوفهم عن اختيار العودة الى كنف الدولة سيعقد الأمور عليهم وعلى الدولة وسيضع الجميع امام استحقاقات مكلفة يمكن تلافيها بقرارات صائبة وحكيمة ضمن التوقيت الصحيح.