العوامل المحركة للسياسة الخارجية الصينية

كنت قد تناولت في مقالي الأسبوع الماضي رسائل القوة الصينية التي أراد الرئيس الصيني شي جي بينغ إظهارها للعالم في الرابع من كانون الثاني 2018 بمناسبة افتتاح النشاطات التدريبية للجيش الصيني للعام الجديد، وأشرت فيه إلى عدم وجود أي نزعة عدوانية لدى بكين تجاه دول العالم، وحتى تجاه منافسيها، لكن رسائل القوة مطلوبة دائماً في ضوء السياسات الأميركية التوسعية، والعدوانية تجاه المنافسين الجدد لها في العالم، وخاصة الصين وروسيا.
وطبعاً قليل من الكتاب من يتناول الشأن الصيني في صحافتنا، ولا أعرف السبب وراء ذلك، هل هو بعد الصين عنا جغرافياً، أم عدم انخراطها المباشر في قضايا المنطقة كما هي حال روسيا الاتحادية التي بالتأكيد يعود تاريخ علاقاتها بالمنطقة، واهتماماتها بها إلى سنوات بعيدة، وكذلك التأثير، والتأثر بالنسبة لأمنها القومي بقضايا وأحداث المنطقة.
شكلت الحرب على سورية عاملاً موحداً للبلدين لإعلان أول فيتو مشترك في مجلس الأمن الدولي عام 2011، وكان هذا الفيتو بمنزلة أول إنذار للولايات المتحدة، والغرب عموماً بأن عصر الأحادية القطبية قد انتهى، وأن مسؤولية الأمن والسلم الدوليين هي مسؤولية مشتركة، ولها انعكاساتها على مصالح الجميع، وآن الوقت لتفهم واشنطن أن ما تسببت به من خراب في الشرق الأوسط وغيره من المناطق ينعكس على استقرار العالم، ويمس مصالحهم أيضاً.
ويرى بعض الباحثين بالشؤون الصينية أن الصين أصبحت أكثر انخراطاً في القضايا الدولية، وفي شؤون العالم، وبدأت منذ سنوات تصيغ أجندة السياسة العالمية ليس من منطلق رد الفعل على أفكار ومشاريع الآخرين، إنما أصبح لديها مشروعها العالمي الخاص المعروف بمشروع «الحزام والطريق».
يكتب روبرت كوهن في «تشاينا ديلي»، وهو أحد أهم المختصين الأميركان بالشأن الصيني بعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر، أن هناك مجموعة عوامل اجتمعت معاً دفعت الصين للخروج من عزلتها، أو بالأصح للانتقال إلى سياسة خارجية أكثر انخراطاً، وتتناسب مع وزن الصين الاقتصادي، من أهمها الأزمة المالية العالمية عام 2008، إذ قبل هذا التاريخ كان القادة الصينيون يعتبرون بلدهم نامياً أمامه الكثير من التحديات، ولا يزال مستوى دخل الفرد يحتل المرتبة 80 من بين 200 دولة في العالم، كما أن الصين تحتاج إلى المزيد من الوقت لتجاوز التحديات التي تواجهها، ولكن عندما ضربت هذه الأزمة العالم شعر القادة الصينيون بالقلق نتيجة التباطؤ في الاقتصاد العالمي الأمر الذي سيؤدي إلى خسارة ملايين العمال الصينيين وظائفهم، وسيصبحون في الشارع، ما سيقوض اقتصاد البلاد، ويهدد بالتالي الاستقرار الاجتماعي، حسب كوهن.
آنذاك أعلن المسؤولون الصينيون أن الصين ليست قادرة على مساعدة العالم، وأن موارد البلاد سوف تخصص لمعالجة المشاكل المحلية، وأكدوا أن الشيء الأفضل الذي يمكن للصين أن تقدمه للعالم هو أن تركز جهودها محلياً، لأن الصين غير المستقرة ليست في مصلحة أحد.
هذا الموقف الصيني لم يستمر سوى عدة أشهر حسب كوهن إذ مع بداية عام 2009 أصبح واضحاً أن علاقات الصين مع العالم قد بدأت تتغير بشكل جذري، وأنه لا عودة للوراء، فقادة الصين توصلوا إلى نتيجة أنه لا يمكن الابتعاد عن الانخراط مع العالم، وليس ممكناً للصين أن تحل مشاكلها المحلية في عزلة، ومن ثم لابد من الانخراط مع العالم الآن وفوراً.
يروي كوهن في مقالة المهم أن أحد الوزراء الصينيين أخبره في ذلك الوقت أن كبار المسؤولين في وزارته التي كانت تركز في غالبية عملها على القضايا المحلية قد أصبحوا منذ ذلك الوقت يخصصون ثلث دراساتهم للقضايا الدولية، وثلث قراءاتهم للمنشورات العالمية.
أي إن التوجه للانتقال في السياسة الخارجية الصينية قد بدأ آنذاك وفي تلك المرحلة لنقل الصين من رد الفعل إلى الفعل، لكن البداية الحقيقية كانت مع شي جي بينغ الذي أصبح أميناً عاماً للحزب عام 2012، ورئيساً للصين عام 2013، ومبادرته «الحزام والطريق» التي وصلت إلى 60 دولة في العالم الآن، ومع إنشاء الأدوات المالية، والشراكات الدولية مع روسيا وأوروبا وإفريقيا وآسيا والمشرق العربي.
وإذا كان هذا الانتقال كما أشرت يعود لمرحلة الأزمة المالية العالمية، فإن بصمات الصين الآن تكاد تكون واضحة للعيان، وهو ما ينقلنا للإجابة عن سؤال مهم، ما هي العوامل المحركة لهذه السياسة الخارجية الجديدة، والأكثر انخراطاً في شؤون منطقتنا والعالم؟
سأحاول أن أقدم أهم هذه العوامل المحركة حسب رأي المحللين والمختصين بالشأن الصيني، وهي:
– التنمية المتكاملة: تقوم تنمية الصين على الإصلاح والانفتاح، فمنذ البداية كانت الصين تجمع الرأسمال والمعرفة، وتقدم المعامل المنتجة، واليد العاملة الرخيصة. أما الآن فإنها تستثمر الرأسمال، وتبني البنى التحتية وفي الوقت نفسه تسعى نحو الموارد الطبيعية لصناعاتها، والأسواق الخارجية لمنتجاتها، كما أنها انتقلت للصناعات الثقيلة بشكل متطور مثل الحديد والصلب، والإسمنت والألمنيوم، والكيماويات، وإذا تمكنت من نقل هذه الصناعات للبلدان الأقل تطوراً فسوف يستفيد الجميع.
– الاقتصاد المحلي: حيث تعمل الصين وفقاً لخطة التطوير الشاملة الثالثة عشرة (2016- 2020) مع هدف واعد يتمثل بمجتمع متطور ومزدهر حتى عام 2020، وهنا فإن التجارة الخارجية مع منتجات ذات قيمة مضافة عالية، زائد الولوج إلى تكنولوجيات أجنبية متطورة هي أجزاء متكاملة من الخطة، وهو ما يمكن تسهيله من خلال الدبلوماسية الصينية والسمعة الجيدة.
– المصالح الأساسية: وتتمثل في: النظام السياسي أي الحزب الحاكم، الاستمرار في التنمية الاقتصادية، السيادة الوطنية ووحدة أراضي الصين، وهنا فإن السياسة الخارجية الصينية مصممة للدفاع عن هذه المصالح الأساسية.
– الأزمات العالمية: مثل عدم الاستقرار السياسي، الصراعات المذهبية والدينية، الإرهاب، الكوارث الطبيعية، الأزمات المالية، الخلافات التجارية.. الخ، وهنا فإن دور الدبلوماسية الصينية هو إيجاد الآليات لإدارة الأزمات وتخفيف تأثيرها وإيجاد الحلول لها.
– الحوادث الدولية: الصين كغيرها من الأمم لديها مصالحها التي يمكن أن تصطدم مع دول أخرى مثل: بحر الصين الجنوبي، الأمن السيبراني، العملات، الميزان التجاري.. الخ، وكل هذه الأحداث أو المشاكل لابد من التعامل معها، واحتوائها، وامتلاك المرونة والقدرة على حلها.
– المسؤوليات الدولية: تبدو الصين كثاني أكبر اقتصاد في العالم، وكقائد جديد في النظام العالمي أمام مسؤوليات حفظ الأمن والسلم العالميين، وهذا يحتاج إلى دبلوماسية فعالة وتصد لهذه المهام.
– النموذج العالمي: هنا لا تسعى الصين لتصدير نظامها السياسي، وإنما تؤمن بحق كل شعب، وبلد بإنتاج نظام حكمه ونموذجه التنموي، ولكن نجاحها الاقتصادي الباهر يمكن أن يكون نموذجاً للبلدان النامية لدراسته، وتطبيقه.. والقيادة بالنموذج هو نمط تفكير إستراتيجي صيني يزيد من مصداقية الصين.
– العزة الوطنية: الصين تفتخر بـ5 آلاف عام من الحضارة، وكذلك بمعجزتها الاقتصادية حالياً، ومن الطبيعي أن تشعر بالامتنان للشعوب والدول الأخرى التي تقدر إنجازاتها، الأمر الذي يزيد من احترام الدبلوماسية الصينية لدى الآخرين.
إن استعراض هذه العوامل المحركة للسياسة الخارجية الصينية هو أمر ضروري من أجل فهم أوسع، وإدراك أكبر لسياسة بلد صديق، وقوة عالمية صاعدة، ومؤثرة يزداد نفوذها، وتتصاعد تأثيراتها على الساحة العالمية في عالم متعدد الأقطاب بدأت ملامحه تتوضح أكثر، وهو ما يدفعنا أكثر للبحث في محركاته وعوامل تشكيل سياساته وصناعتها.
التركيز على الصين ليس لأنها الاقتصاد الثاني عالمياً، وستصبح الأول بعد سنوات، ولكن لأننا يمكن أن نستفيد من هذه التجربة الرائدة، في كل المجالات، وخاصة مع حديثنا عن التوجه شرقاً وهو ما يحتاج إلى المزيد من القراءة والتعمق في تجارب الشرق، بعد أن أسرنا البعض لعقود من الزمن باتجاه الغرب حتى أصابنا انقراص في فقرات الرقبة من دون أن نلتفت إلى الشرق حيث هناك تجارب غنية، وشعوب حضارية، وقواسم مشتركة عديدة، والدعوة هنا لفتح العقول والأذهان، والمزيد من المعرفة والاطلاع وطرح الأسئلة، ومنها: كيف حقق الصينيون هذه المعجزة؟ إنها البداية من أجل أن ننجز معجزة سورية ونموذجاً، ومشروعاً رائداً للمنطقة، فهل نفعلها؟! هنا يكمن التحدي أمامنا، والتحديات هي التي تصنع الشعوب، والأمم الحرة، والسوريون كانوا وما زالوا من أوائل شعوب العالم في التحدي والانتصار.