في البحث عن منبر

لايختلف اثنان على ان الصحافة في نشأتها الاولى بدأت ثقافية اجتماعية علمية، ومن ثم اخذت منحى آخر هو التوجه نحو ان تكون لسان حال الحراك السياسي، ولن نطيل في الامر، لكن تغير الحياة وسرعة الانجازات التقنية (التلفاز ومشتقاته والبث الفضائي وما الجعبة) جعل الصحافة تعود القهقرى الى سيرتها الاولى وهي الافضل والانقى، لانها السيرة الخالدة الباقية، فما يكتب بحبر السياسة لم ولن يجد الخلود الذي يكتب بحبر الثقافة والادب، اللهم إلا اذا كتب بحبرها، ونادرون من يجيدون ذلك.

اليوم ونحن نعيش عصر الذاكرة الرمادية، او الرملية الزائفة (النت) ومع اعجاب الكثيرين به، الا انه كما اسلفنا ذاكرة من رماد السجائر مع اول هبة نسمة يذهب فكيف بالريح ؟‏

ونحن نعيش هذه الحالة أشعر بشيء من الرضا الحذر لان الصحافة عادت الى مهتمها الاولى، ان تكون ثقافية وصحافة مجتمع ورأي وتحليل وموقف، وأشعر بالوقت نفسه بالحزن على ركام ورق يهدر في الكثير من المجلات التي تصدر لانه لايوثق، ولايضيء على حراك ثقافي، ولا يقف عند الأعلام المبدعين، اذ كنت تجد منذ ربع قرن ملفا كاملا في مجلة الموقف الادبي، عن ظاهرة ادبية او ثقافية او ابداعية، تقدم مادة هامة تغنيك عن عشرات الكتب، وكنت تجد ملفا عن شاعر او مبدع او، تجعله مرجعا لك في بيتك، والان لن تجد الا بعض الخواء المزين بهرطقات هنا وهناك، تارة باسم ما بعد الحداثة، وتارة أخرى باسم القصة القصيرة جدا ومقدمات وافتتاحيات تصل الى عشرين صفحة.‏

وحسنا فعلت خيرا مجلة الموقف الادبي باصدار كتاب الجيب، وعلى الطريق كما اظن كتاب مجلة المعرفة، كل هذا رائع لكننا نحتاج الى ما هو ابعد، وربما يقول احد ما: ان الظروف لاتسمح، اذا كانت الظروف في وقت الراحة لاتسمح، ولابوقت الضرورة تسمح، فمتى تسمح.؟‏

بات من الضرورة بمكان العمل على إعادة الألق لصحافتنا الثقافية وصفحاتنا الثقافية ايضا، بات من الضرورة ان تصدر وزارة الثقافة مجلة او مطبوعة تعنى بأدب الشباب، شبابنا ليس لديهم أي منفذ للنشر الا جدران الفيسبوك ولما ذا نتركهم يتوجهون الى منابر اخرى تعمل ليلا نهارا لاستقطابهم شرط ان يكتبوا ضد الوطن.‏

هل يتحرك احد ما ؟ الامر ليس ترفا ابدا، هنا شباب يطالبون بفرصة للنشر، يقول احدهم: لماذا تريدون منا أن نتوجه الى صحف مشبوهة تدفع لنا بالدولار شرط ان نقف ضد الوطن، نريد ان ننشر هنا بوطننا، نريد منبرا، ولانريد مالا.‏

أسئلة ليست في خارج مرمى احد و كنا قد طرحناها عشرات المرات، ولكن كما العهد صمم و وحكاية (انه ليس وقته).‏        

ديب علي حسن