في مرحلة ما بعد الحرب: سورية بلا بنية فكرية اقتصادية فاعلة!

الأربعاء, يناير 10, 2018 - 17:00

البوصلة

عندما قررت سورية رسمياً التحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي في العام 2005، غاب عن ذهن مسؤوليها أن جل البنية الفكرية الاقتصادية الوطنية، والمعنية بقيادة هذا التحول ودعمه، تلقت معارفها وعلومها في الدول الشرقية، المعروفة بنظامها الاقتصادي الاشتراكي...!!.

والمشكلة لم تكن فقط في أن معظم أساتذة الاقتصاد في الجامعات السورية، وفي مؤسسات الدولة، هم من خريجي الدول الشرقية، وإنما في مضمون المناهج التربوية والتعليمية، والأجيال التي لاتزال تتخرج من الجامعات بحصيلة فكرية مناقضة تماماً لما تحتاجه البلاد من معارف لتنفيذ توجهاتها الاستراتيجية..

مفارقة عجيبة لم تستدع آنذاك اهتماماً من أحد، لا على مستوى الحكومة وفريقها الاقتصادي، ولا على الجامعات السورية وكلياتها..!!.

اليوم... تتكرر المأساة مرة أخرى.

فمرحلة إعادة الإعمار ليست فقط البحث عن مصادر تمويل، تنفيذ مشاريع وإعادة تأهيل أخرى، ووضع خطط واستراتيجيات طموحة، بل هي عملية تحتاج أكثر من غيرها إلى رؤى وأفكار غير نمطية، وإلى خبرات قادرة على التعاطي مع هذه متطلبات المرحلة وقيادتها نحو تحقيق غاياتها وأهدافها.. وللأسف هذا غير متوفر..!!.

خلال السنوات السبع الماضية تعرضت البنية الفكرية الاقتصادية السورية إلى استنزاف خطير، كان نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية هي:

-التسرب الكبير، والذي نجم عن التقاعد، الاستقالة، الهجرة، والتوجه للعمل في الخارج وغير ذلك من تأثيرات الظروف التي فرضتها الحرب.

-العامل الثاني يتمثل في غياب البدائل، فلو عدنا إلى قوائم الإيفاد الخاصة بالبعثات العلمية خلال السنوات السبع الماضية لوجدنا أنها شبه متوقفة باستثناء بعض المنح التبادلية وروسيا، وهذا يعني أن البلاد ستعاني مع مرور الوقت من نقص حاد في حملة الشهادات العليا سواء في الجامعات العامة والخاصة أو في مؤسسات الدولة.

-بيئة العمل الطاردة وبشدة للكفاءات والخبرات العلمية العاملة في مؤسسات الدولة، والكارثة أن استبعاد الكفاءات والخبرات تحول منذ سنوات إلى ما يشبه السياسة المعتمدة، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وعليه، فإن سورية تدخل مرحلة ما بعد الحرب خاوية الوفاض من الخبرات والكفاءات الفكرية على مختلف المستويات، أو لنقل تدخل هذه المرحلة ببنية فكرية غير متجانسة ومحدودة التأثير والتنوع، الأمر الذي يضع إشارات استفهام كثيرة حول مستقبل كل هذه التوجهات المعلنة لمرحلة ما بعد الحرب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

إن أهم خطوة يجب التحضير لها استعداداً لما هو قائم يتمثل في وضع استراتيجية وطنية لتنمية الفكر الاقتصادي السوري وتمكينه وزيادة تأثيره في صنع القرار الاستراتيجي، وإلا فإن التعثر سيكون خياراً مرافقاً لكل خطة ومشروع قادمين.

هامش1: إن أكثر ما يستدل على ضعف تأثير البنية الفكرية الاقتصادية السورية يتمثل في ندرة الأبحاث والدراسات والمؤلفات الاقتصادية الصادرة خلال سنوات الحرب، وتحول المؤسسات الاكاديمية إلى مجرد صفوف درسية لا أكثر ولا أقل.

هامش2: نشاط بعض الباحثين المعروفين على مستوى الجامعات والمجتمع لا يعني أن الوضع بخير، فهذا نشاط شخصي غالباً، ثم إن ذلك غير كاف لتلبية احتياجات البلاد