حقيقة الوجود العسكري الأميركي في سورية و مستقبله؟

تختلق اميركا الذريعة تلو الأخرى من اجل تبرير وجودها العسكري غير المشروع على الارض السورية. فمن القول بانها جاءت لمحاربة داعش الى القول انها تريد ضمان الوصول الى حل سياسي في سورية يحفظ للسوريين حقوقهم،

 

الى القول بانها ستبقى في سورية من اجل ضمان عدم عودة داعش الى المنطقة وتهديد الامن والسلم الدوليين، فما الحقيقة وما هي وظيفة قواعدها العسكرية التي أنشأتها في سورية خلال العامين المنصرمين؟‏

تصطنع اميركا الذرائع لتبرير وجودها غير المشروع ، بيد ان من يتابع السلوك الأميركي في المنطقة يسارع للتشكيك فورا بكل ما تطرحه من حجج وأكاذيب ليقف على حقيقة ما في الذهن الأميركي والمتمثل بنية الاحتفاظ بوجود عسكري تتخذه اميركا حسب ظنها سيفا مسلطا على سورية والعراق وعبرهما على كامل محور المقاومة، سيف تحركه وفقا للظروف ولتمنع المنطقة من استعادة استقرارها و تؤخر الانطلاق في مرحلة إعادة البناء المتعدد الاشكال من البناء السياسي و الإصلاح و التطوير فيه الى البناء العمراني و الانشائي الى البناء الاقتصادي المتضمن استثمار الثروة و الطاقات في مصلحة الشعب و الامة .‏

فأميركا التي اختلقت داعش، من اجل العدوان على المنطقة عامة و على سورية و العراق و محور المقاومة خاصة ، لم تحارب داعش يوما بل استثمرت بإرهاب داعش كما كانت قد فعلت مع أمها»تنظيم القاعدة «في افغانستان، وإن تغني ترامب بان مساحات سيطرة داعش على الأرض تقلصت كثيرا في ظل ولايته مدعيا لنفسه فضلا لا علاقة له فيه ، انما هو ادعاء كاذب فليست اميركا من هزم داعش و ليست اميركا من طهر الأرض السورية و العراقية من داعش ، فالذي قاتل داعش معروف باسمه و جسمه و فعله ، انهم في سورية رجال الجيش العربي السوري و حلفاؤهم في محور المحور المقاومة و روسيا ، و انهم في العراق رجال الجيش العراقي و الحشد الشعبي و حلفاؤهم في محور المقاومة ، اما الدور الأميركي في الميدان فقد كان منصبا على عرقلة عمل سورية و العراق في مواجهة داعش وعلى تقديم الدعم العسكري المتعدد الوجوه الى داعش و انقاذها من حصار هنا او تقديم اسناد ناري لها هناك من اجل احتلال ارض او الإغارة على موقع ، و بعد كل هذا الذي جرى تحت اعين العالم و سمعه يأتي ترامب و يدعي او ينسب لنفسه و دولته فضل القضاء عل داعش في اكبر عملية تزوير و سرقة ، فيدعي شيئا على أمل ان يصدقه العالم فيه لا بل مطمئنا الى ان العالم سيأخذ بقوله طالما انه يملك قدرة الترويج في الاعلام و الضغط و التأثير على الرأي العام ...و لكن للحقيقة نور يسطع و يكشف باطل و زيف النفاق الأميركي .‏

بيد ان المسألة لا تقف عند سرقة النصر بل ان اميركا تتخذ من النصر ونسبته لنفسها ذريعة للبقاء في سورية بقاء تحت عنوان حماية الانتصار ومنع داعش من العودة، وكأن الأرض السورية ليس لها من حررها ومن يحميها بعد ان حررها.‏

ووضعا للأمور في نصابها نقول نعم هزمت داعش ومعها هزم المشروع الصهيواميركي الذي جاءت داعش لتنفيذه بقيادة أميركية واشتراك أوروبي وتركي وسعودي وقطري، وسقطت أحلام وضع اليد الأميركية على المنطقة وسقطت أحلام تفكيك محور المقاومة وباتت المنطقة مع العام الميلادي الجديد 2018 على موعد مع مشهد مختلف جوهره «سيادة الامة على اقليمها»،وبناء «منطقة لأهلها وبيد أهلها» وبمساعدة الحلفاء الصادقين الذين لا تتملكهم نزعات السيطرة والعدوان على الاخر.وهنا يبرز سؤال كبير يدور حول السلوك الأميركي في مرحلة ما بعد داعش وما بعد سقوط المشروع الاستعماري؟‏

لقد استبقت اميركا عملية الانتقال من المرحلة العسكرية الى المرحلة السياسية في سورية، بالإعلان عن الاستمرار في الوجود العسكري الأميركي غير المشروع في سورية، ما يعني ان لهذا الوجود وظيفة في الذهن الأميركي تتصل بطبيعة المرحلة الجديدة فما هي الوظيفة وكيف يتم اجهاضها؟‏

طبعا لا نصدق مطلقا الادعاء الأميركي بان استمرار القوات العسكرية في القواعد المقامة بشكل غير مشروع على الأرض السورية هو من اجل منع داعش من العودة بعد إعادة تنظيم نفسها،و ترامب نفسه كان صرح اكثر من مرة بان أميركا هي من صنع داعش، و اذا كان ترامب يدعي بعد ان اصبح رئيسا بانه هو من هزم داعش فان على ترامب ان يعلم ان أحدا في العالم لن يصدقه في ادعائه الا البلهاء ، و كذلك عليه ان يعلم بان قول اميركا بانها تريد منع داعش من العودة قول يثير سخرية و ضحك العارفين المتابعين لمجريات الاحداث، فدور القوات الأميركية غير ما يدعي ترامب ووزير دفاعه او خارجيته ، انه دور يبدو محددا بما يلي :‏

1) العمل ما أمكن على منع او تأخير انتقال سورية الى مرحلة العمل السياسي بعد مرحلة العمل العسكري الميداني الذي حققت عبره الانتصار على داعش والذي تستكمله الان بالقضاء على بقية الفصائل الإرهابية من جبهة النصرة وسواها فيما تبقى من اوكار ومناطق في الغوطة الغربية وريف حماه وعلى مشارف ادلب التي ستطهر في الأسابيع القادمة.وتريد اميركا ان تشعر الإرهابيين بدعمها ومساندتها حتى يصمدوا لمدة أطول ويحققوا لها وان بشكل محدود هدفها في إطالة امد الصراع.‏

2) فرض واقع ميداني يكون لها فيه وجود مادي مؤثر يضطر الباحثون عن حل سياسي اخذه في الاعتبار والوقوف على ما تريد من اجل حفظ حصة لها في أي تركيبة سياسية ستعتمد في إطار الحل السياسي المبحوث عنه.‏

3) التأكيد على انها في فريق المنتصرين على الإرهاب وأنها ساهمت،ان لم يكن فرضت، الحل السياسي الذي تدعي بان»الربيع العربي» المزعوم جاء من اجله أي زعمها بانها تريد نشر الديمقراطية والحرية.‏

أي باختصار تريد اميركا من قواعدها العسكرية ان تؤخر الحل السياسي أصلا وان تخفي هزيمتها ثم ان تحفظ لنفسها دورا وتأثيرا في السلطة السورية تقود الى تشريع القواعد العسكرية تلك وتبقيها بشكل دائم لتأكيد النفوذ الأميركي في الدولة اسوة بما هو قائم في دول الخليج. لكن اميركا تنسى او تتناسى ان من اسقط خطتها الأساسية قادر على اسقاط خططها الفرعية و ان سورية و محور المقاومة لن يكونوا في أي حال من الاحوال في موقع القبول بهذا الوجود العسكري غير الشرعي على الأرض السورية ، و ان سورية وحلفاءها الذين هزموا داعش و يستكملون الحرب على من تبقى من فصائل الإرهاب قادرون أيضا على التصدي لداعش ان حاولت ان تعود، و بالتالي فان كل ذرائع وادعاءات اميركا لتبرير وجودها العسكري الاحتلالي غير المشروع في سورية مرفوضة و ساقطة على اصلها و بالتالي فان هذه القواعد و الخطة الأميركية ستواجه بخطة مضادة تتضمن :‏

أ‌. الموقف السياسي السوري والمدعوم من الحلفاء الروس ومحور المقاومة، موقف قاطع برفض الوجود العسكري الأميركي في سورية تحت أي ذريعة او عنوان والمطالبة بالخروج الفوري.وقد عبرت الحكومة السورية وكذلك روسيا وإيران عن هذا الرفض بكل ما صدر عنهم من مواقف وتصريحات.‏

ب‌. السلوك الميداني التحذيري الذي من شأنه ان يشعر اميركا بان الرفض السياسي هو رفض جدي وليس مناورة وليس محلا للمساومة وان عليها ان تفهم الرفض كما صدر وان تخرج قواتها كما ينبغي احتراما للسيادة السورية.‏

ت‌. العمل العسكري والمقاوم، وهنا يكون الأمر تطبيقا لمثل «اخر الدواء الكي»، فان لم تفهم ولم تستجب اميركا للرسائل الأولى والثانية وتفكك قواعدها و تخرج من سورية سيكون عليها ان تواجه مقاومة ميدانية تكرهها على الانسحاب،وستكون هذه المقاومة في سورية متكاملة مع مقاومة ينتظرها الميدان العراقي ضد القوات الأميركية التي بلغت اليوم 7500 عسكري، يقابلهم 5400 عسكري أميركي في سورية.‏

وفي النتيجة علىتاميركا ان تعرف ان من انتصر في حرب السبع سنوات لن يتوقف في الميدان قبل ان يستكمل التحرير، اما الحل السياسي الذي سيكون العام 2018 عامه، كما كان العام 2017 عام الحسم العسكري، فان هذا الحل هو شأن السوريين وحدهم ولا دور ولا دخل لأميركا فيه.‏