متحف الطب والعلوم عند العرب في دمشق البيمارستان النوري

الخميس, ديسمبر 21, 2017 - 6:00am

البوصلة

من أهم هذه البيمارستانات الذي تحول إلى متحف للطب والعلوم عند العرب عام 1978 البيمارستان النوري في مدينة دمشق القديمة إلى الجنوب الغربي من الجامع الأموي في منطقة الحريقة الذي يعكس في كل جانب منه فنون العمارة الإسلامية في الايوانات والصحون والبحرة والزخارف والرسوم والمقرنصات على القبة والأبواب القديمة ويمثل نموذجا لفن العمارة السلجوقية.

ويعود تاريخ بناء البيمارستان النوري الذي شيده نور الدين محمود الزنكي إلى عام 549 هجري 1154 ميلادي وهو أول جامعة ومشفى عربي تدريسي حيث كان يتم فيه علاج جميع الأمراض مجانا وبالطرق الحديثة وخاصة بالموسيقا التي عاد الطب إلى استخدامها حاليا لشفاء العديد من الأمراض.

قصة إنشاء بيمارستان نور الدين:

تذكر المصادر التاريخية أن السلطان نور الدين الزنكي خلال حروبه الطويلة مع "الإفرنج"، قد أسر أحد قادتهم، وعند استشارة مجلس أعيانه بمصيره، أشاروا أن يطلق سراحه مقابل فدية مادية مجزية، تنفق في بناء بيمارستان يقدم فيه الدواء والعلاج لكل مصاب، وبالفعل فقد راقت له الفكرة، وأطلق سراح عدوه وأخذ الفدية، واستقدم خيرة المهندسين والعمال العرب السوريين، في بناء هذا البيمارستان.

تشير المصادر التاريخية أن البمارستان كان يمثل القصور الملكية بترفه، ووسائل الراحة المتوفرة فيه، أنواع الطعام الفاخر التي كانت تقدم للمرضى والمصابين، كما أن العلاج كان مجاناً للأغنياء والفقراء سواء بسواء، دون أن تكلف المرضى درهماً واحداً، بل كانوا يمنحون لدى خروجهم من المستشفى ثياباً ونقوداً تكفيهم للعيش دون أن يضطروا للعمل.

ويضم المتحف أربع قاعات رئيسية وهي:

قاعة العلوم: التي يعرض فيها أهم الأدوات العربية واللوحات الفنية التي تذكر بتطور العلوم عند العرب.

قاعة الصيدلة: حيث يعرض فيها نماذج تمثل الأدوات والأجهزة التي كان يقوم العلماء العرب بواسطتها بمزج ودق وتركيب الأدوية المستخرجة من الأعشاب الطبية.

قاعة الطب: فتحوي على مخطوطات ولوحات ورسوم طبية ونماذج لأدوات جراحية مأخوذة من كتاب الزهراوي، بالإضافة إلى مقتنيات لها علاقة بالطب الروحي وأدوات لها علاقة بالشراب والغذاء.

القاعة الرابعة الطيور والحيوانات المحنطة تعليمية أكثر منها أثرية، إذ تحتوي على نماذج حديثة لطيور وحيوانات متنوعة محنطة، وهذا يشير إلى اهتمام العرب بعلم الحيوان وفن البيطرة.

مكتبة المتحف:

كما يحوي على مكتبة تضم مجموعة من الكتب العلمية والطبية والصيدلانية والمؤلفات والمجلات والدراسات التي تبحث في التراث العربي الإسلامي في مختلف النواحي.

وفي المصادر التاريخية روايات عديدة عن تفنن أطباء البيمارستان النوري في أساليب معالجة المرضى حتى اهتدوا إلى العلاج بالموسيقا حيث كانت الأجواء الموسيقية تروح عن المرضى وتلهيهم عن آلامهم بالإضافة إلى إحضار القصاصين إلى قاعات المرضى لرواية القصص والحكايات لهم كما كان المؤذنون ينشدون قبل الفجر بساعتين أنغاماً شجية على المآذن لتخفيف العناء عن المرضى القلقين.

ويحتوي البيمارستان النوري الذي يعد مثلاً حياً على التقدم العلمي والحضاري للعرب المسلمين على تسع غرف متسقة جنباً إلى جنب حول البحرة كانت تستخدم لتعليم الطب والصيدلة ومعالجة المرضى من قبل أشهر أطباء العرب الذين عملوا ودرسوا فيه منهم علاء الدين أبو الحسن وعلي بن أبي الحزم القرشي ابن النفيس وأبو المجد بن أبي الحكم ومهذب الدين النقاش ورضي الدين الرحبي وابن المطران وابن حمدان الجرائحي ومهذب الدين عبد الرحيم بن علي وعماد الدين الدنيسري وموفق الدين أبو العباس المعروف بابن أبي أصيبعة.

وذكرت المراجع الطبية التاريخية أن البيمارستان كان يشتمل على أقسام الأمراض الباطنية والجراحة والكحالة العيون والتجبير والأمراض النفسية والعقلية لكل منها أطباؤه المتخصصون بالإضافة إلى العيادات الخارجية وقسم الصيدلة الذي كان يعد فيه المتخصصون الأدوية من النباتات.

وتروي المراجع أن اختيار أماكن البيمارستانات كان يتم باختيار أفضلها موقعاً في الأماكن المرتفعة أو قرب مصادر المياه وتتوافر فيها شروط الصحة والجمال كما كان يتم الاختيار منذ أيام أبو بكر الرازي بوضع قطع من اللحم في أنحاء مختلفة مختارة وانتظارها أربع وعشرين ساعة وانتقاء المكان الذي ظل فيه اللحم أقل سوءاً.

وكان البيمارستان يوفر لمرضاه الراحة والرفاهية وأنواع الطعام الفاخر حتى أن بعض الناس كانوا يتمارضون للإقامة فيه والتنعم بما يقدم للمرضى حتى أن المشرفين كانوا يتغاضون عنهم.

واستمر البيمارستان بعمله كأول جامعة طبية في الشرق حتى أواخر القرن التاسع عشر حيث تحول بعدها إلى مدرسة للإناث ثم إلى ثانوية تجارية وأخيراً إلى متحف.

ومازال متحف الطب والعلوم عند العرب يحتفظ بالكثير من عناصره المعمارية والزخرفية والكتابية ويحتوي على قاعات للطب والصيدلة والعلوم واللوحات والطيور والمكتبة وتتوزع في القاعات المخصصة النماذج والأدوات التي كانت تستخدم في المعالجة والجراحة والأدوات الصيدلانية ومجسمات لطرق الفحص السريري ومجسمات وصور لأهم الأطباء الذين عملوا فيه ولآلية استقبال المرضى بالإضافة إلى مجموعة من الأدوات الفلكية العربية التي تبين دور العرب في تطور علم الفلك.

وتعكس الوثائق والرسوم والكتب طرق المعالجة التي لا تقل عن طرق اليوم أصولا وان العرب هم أول من أسسوا للمنهج العلمي وعناصره الأساسية.

وتسمية البيمارستان مصطلح فارسي الأصل معناه مركب من بيمار وتعني المريض وستان تعني الدار أي دار المرضى واختصرت فيما بعد إلى كلمة مارستان.